الصفحة 319 من 416

أعربتُ عن الشيء إذا أوضحتُ عنه؛ وفلان معرب عمّا في نفسه، أي مبيّن له، وموضح عنه )) [1] . قال ابن جنّي: (( هو الابانه عن المعاني بالألفاظ؛ ألا ترى أنك إذا سمعت: أكرمَ سعيدٌ أباه، وشكر سعيدًا أبوه، علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرجًا [نوعًا] واحدًا لا ستبهم أحدهما من صاحبه ) ) [2] ، فلو اختفى الإعراب من الكلام لالتبست المعاني وتشاكلت الألفاظ، إذ الإعراب علم المعنى في اللفظ، وبه نهتدي إلى معنى الفاعليه أو المفعولية أو الإضافة وغيرها. وقد أفصح الزجاجي عن علّة دخول الإعراب على الكلام فقال: (( إن الأسماء لمّا كانت تعتورها المعاني، فتكون فاعلّة ومفعولة، ومضافة، ومضافًا إليها، ولم تكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني بل كانت مشتركة، جُعلت حركة البناء فيها تُنبئ عن هذه المعاني، فقالوا: ضربَ زيدٌ عمرًا، فدلَّوا برفع(زيد) على أن الفعل له، وبنصب (عمرو) على أن الفعل واقع به. وقالوا: ضُربَ زيدٌ، فدلَّوا بتغيير أول الفعل ورفع (زيد) على أن الفعل ما لم يُسمَّ فاعله وأن المفعول قد ناب منابه. وقالوا: هذا غلام زيد، فدلَّوا بخفض (زيد) على إضافة الغلام إليه، وكذلك سائر المعاني جعلوا هذه الحركات دلائل عليها ليتسعوا في كلامهم، ويقدموا الفاعل إن أرادوا أو المفعول عند الحاجة إلى تقديمه، وتكون الحركات دالّةُ على المعاني )) [3] .

أمّا اصطلاحًا يُعرف الاعراب بأنه: (( أثر ظاهر أو مقدّر يجلبه العامل في آخر المعرب ) ) [4] .

فالنحاة أجمعوا - أو كادوا - على أن الاعراب هو إختلاف أواخر الكلام بإختلاف العوامل [5] ، وحركات الاعراب هي الفتحة والضمة والكسرة [6] ، والفرق بينها وبين حركات البناء أن حركات البناء حادثةُ عن علّة، أما حركات الاعراب فحادثةُ عن عامل. قال إبن جنّي في تعريف (البناء) في النحو: (( وهو لزوم آخر الكلام ضربًا واحدًا: من السكون أو الحركة، لا لشيء أحدث ذلك من العوامل. وكأنهم إنما سمّوه بناءً لأنه لمّا لزم ضربًا واحدًا فلم يتغير تغير الاعراب سُمّي بناءً، من حيث كان البناء لازمًا موضعه لا يزول من مكان إلى غيره ) ) [7] .

ولمّا كانت حركات الاعراب دالّة على المعاني، وكانت هذه الحركات تختلف بإختلاف موضع الكلمة من الجملة، وصلتها بما معها من الكلمات؛ فأحرى أن تكون مشيرة إلى معنى في تأليف الجملة

(1) الخصائص: 1/ 36.

(2) المصدر نفسه: 1/ 35.

(3) الإيضاح في علل النحو: 69.

(4) شرح ابن الناظم: 16.

(5) ينظر: الإعراب في النحو العربي (بحث) : 48.

(6) ينظر: الإيضاح في علل النحو: 72 وما بعدها.

(7) الخصائص: 1/ 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت