الصفحة 320 من 416

وربط الكلام، فالنحو - اولًا وأخيرًا - يُعنى بمهمتين [1] : أحدهما صحة تأليف الكلم للأبانه عمّا في النفس من المقاصد، والأخرى معرفة أصول أواخر الكلام من إعراب وبناء. إذًا فالحديث عن الاعراب يفضي بنا إلى الحديث عن المعاني المقصودة من وراء هذا الاعراب والعوامل المؤدية إليه، وبالنتيجة فان الحديث عن عوامل الاعراب هو الآخر يفضي بنا إلى الحديث عن أنواع هذه العوامل ومعمولاتها وتقديرها، وكيف هي مواضعها في الكلام ونحو ذلك. وبناءً على ما تقدم يمكننا حصر الجوانب التي يتعرض فيها النحاة بعضهم لاعراب بعضهم الآخر في جانبين رئيسيين هما: نقد الاعراب النظري، ونقد الاعراب العملي. أما الاعراب النظري، فهو مجموعة الأصول والقواعد النظرية التي وضعها النحاة أو أرادوا وضعها لكي يسيروا عليها في الاعراب العلمي التطبيقي، وكان حظ النقد الخلافي من هذه القواعد الأعرابية النظرية كبير وكثير، إذ اختلف علماء المذهبين - من جملة ما اختلفوا فيه - في الاعراب؛ أحركة هو أم حرف؟ [2] فذهب الكوفيون إلى أنه حركة وحرف، فاذا كان حرفًا قام بنفسه وإذا كان حركة لم يوجد إلا في حرف. فردَّ البصريون عليهم بأنه لو كان حرفًا ما دخل على حرف (أي ما دخل على حرف الاعراب وهو الحرف الأخير من الكلمة) ، وذهبوا إلى أن الاعراب حركة هي الضمّة والفتحة والكسرة؛ هذا هو الأصل، وقد يكون الاعراب على غير أصله سكونًا أو حذفًا أو حرفًا، فالسكون يكون في الأفعال المضارعة السالمة اللامات نحو (لم يضربْ، ولم يذهبْ) ، والحذف يكون في هذه الأفعال المعتلّة اللامات نحو (لم يغزُ، ولم يخشَ

والحرف يكون في الأفعال الخمسة (يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين) فهي تُرفع بثبوت النون وتُجزم وتُنصب بحذفها.

ومما اختلف فيه المذهبان اختلافهم في عمل العوامل؛ وذلك في مسائل كثيرة [3] . ففي المسألة (5) من مسائل (الأنصاف) اختلف المذهبان في رافع المبتدأ ورافع الخبر، فذهب البصريون إلى أن المبتدأ يرتفع بالابتداء، واختلفوا في رافع الخبر، فمن قال بأنه يرتفع بالابتداء، ومنْ قال بأنه يرتفع بالابتداء والمبتدأ معًا، ومنْ قال بأنه يرتفع بالمبتدأ؛ والمبتدأ يرتفع بالابتداء، فردَّ الكوفيون - الذين يرون أن المبتدأ والخبر يرفع أحدهما الآخر، فهما يترافعان - بأن الابتداء يعني التعرّي من العوامل اللفظية، فهو إذًا عبارة عن عدم العوامل، وعدم العوامل لا يكون عاملًا، ومما يدلَّ على أن الابتداء لا يوجب الرفع أنهم يبتدئون بالمنصوبات والمسكّنات الحروف، فلو كان ذلك موجبًا للرفع لوجب أن تكون مرفوعة، ولمّا لم يجب ذلك دلَّ على أن الابتداء لا يكون موجبًا للرفع.

(1) ينظر: نظرات في اللغة والنحو: 30

(2) ينظر: الإيضاح في علل النحو 72 - 75.

(3) ينظر: الإنصاف ـ المسائل ـ: 5،6،10،11،12،13،19،22،29،30،43،55،56،74،75،76،79،84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت