فهرس الكتاب
ومن اختلافهم في عمل العوامل اختلافهم في عمل الأدوات [1] ، ففي المسألة (24) من مسائل (الإنصاف) ذهب الكوفيون إلى أن (( إنْ ) )المخففة من الثقيلة لا تعمل النصب في الاسم، محتجين على ذلك بالقياس، فالمشددة إنما عملت عندهم لشبهها الفعل الماضي في اللفظ والبناء، فلما خُفِّفت زال شبهها وبطل عملها. وقال بعضهم إن المشددة من عوامل الأسماء والمخففة من عوامل الأفعال، فينبغي أن لا تعمل المخففة في الأسماء، كما أن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال. فردَّ البصريون الذين يقولون بعملها بأن هذا القياس ينتقض بكثرة المسموع الذي نصّ على عملها، من ذلك قراءة التخفيف [2] : {وَإِنَّ كُلاّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} [3] ، فضلًا عمّا يعزّزها من الشعر.
ومما اختلف فيه المذهبان في الإعراب النظري؛ اختلافهم في موضع العامل في ترتيب الجمل وذلك في مسائل كثيرة [4] . من ذلك اختلافهم حول تقدم معمول خبر (ما) النافية عليها [5] ، أمّا الكوفيون فذهبوا إلى جوازه قياسًا على (لم ولن ولا) لأنها حروف نفي كما أن (ما) نافية، ولأن هذه الحروف يجوز تقديم معمولها عليها، ويصلح ذلك مع (ما) قياسًا. وردَّ البصريون بعدم الجواز قياسًا على حرف الاستفهام، وحرف الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله وكذلك (ما) ، وأن مااحتج به الكوفيون من قياس ففاسد، ذلك أن (ما) لا يليها الاسم والفعل، وليس كذلك (لم ولن) فلا يليهما
إلا الفعل، أما (لا) فإنما جاز التقديم معها - وإن كانت يليها الاسم والفعل - لأنها حرف منصرف يعمل ما قبله فيما بعده. لأنك تقول: (جئت بلا شيء) ، وإذا جاز أن يعمل ما قبله فيما بعده جاز أن يعمل ما بعده فيما قبله.
كذلك اختلف المذهبان في الاعراب التقديري [6] ، كإختلافهم في تحمّل الخبر الجامد - وهو الاسم المحض العاري من الوصفية وغير المشتق من الفعل - ضميرًا يرجع إلى المبتدأ نحو (زيد أخوك، وعمرو غلامك) [7] ، وهو ما قال به الكوفيون، وحجتهم في ذلك أن هذا الاسم وإن كان غير صفة إلا أنه في معنى ما هو صفة، فـ (زيد أخوك) في معنى: (زيد قريبك) ، و (عمرو غلامك) في معنى: (عمرو خادمك) ، وقريبك وخادمك يتضمن كل واحد منهما الضمير، ولما كان خبر المبتدأ هنا في معنى ما يتحمّل الضمير وجب أن يكون فيه ضمير يرجع إلى المبتدأ. فردَّ البصريون بأنه لا يمكن أن تتضمن هذه الأخبار ضميرًا لأنها أسماء محضة غير صفة، وإذا عُرِّيت من الوصف عُرِّيت
(1) ينظر: المصدر نفسه ـ المسائل ـ: 24، 77، 78،81،83، 85.
(2) وهي قراءة نافع وابن كثير. ينظر: البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة: 238.
(3) هود: من الآية: 111.
(4) ينظر: الإنصاف ـ المسائل ـ: 9،17، 18، 19،20،21، 23، 27،31،36،60، 82،86، 87،120.
(5) المصدر نفسه: المسألة (20) .
(6) ينظر: الإنصاف ـ المسائل ـ: 2/ 3/7/ 119.
(7) ينظر: المصدر نفسه: المسألة (7) .