فهرس الكتاب
فضلًا عن أن يُعبّر عن بعض أوصافه ويغفل بعضها الآخر. من ذلك تعريف أبي علي الفارسي للنحو بأنه: (( علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب ) ) [1] . فردَّ عليه ابن الطراوة بأن هذا التعريف خطأ، (( والصواب: النحو تسديدُ الذهن للتمييز بين الاستقامة في الكلام والإحالة ) ) [2] . فهو يرى أن مهمة النحوي لاتكون وقفًا على العلم بالقوانين، إنما مهمته البحث عن منهج اللغة وطرائقها في التعبير، حتى ينفذ النحوي من خلال ذلك إلى حقيقة اللغة، فيميز بين صحيح الكلام وسقيمه.
4ـ نقد الأسلوب:
توصف الأساليب في الأدب مرةً بالجزالة، وأخرى بالسهولة، وثالثة بالوحشية [3] ، أما في النحو فقيمة الأسلوب لدى علمائه تختلف تمامًا عمّا توصف به الأساليب الأدبية، إذ يجري التركيز على وضوح هذه الأساليب ودقّتها؛ فضلًا عن سهولتها ويسرها، فالفرق بين الأسلوب النحوي والأسلوب الأدبي - كما يرى الدكتور صابر بكر أبو السعود [4] - راجع إلى طريقة تعامل العلماء مع اللغة (القانون) و اللغة (التعبير) . ومن جانب آخر فإن أساليب النحو تختلف من عالم لآخر ومن غرض نحوي إلى غرض نحوي آخر؛ فقد رأينا أن لغة الشُرّاح تختلف عن ألفاظ الحدود وأساليب
صياغتها، وهكذا فالأساليب النحوية رهينة أغراضها، ثم إنها مناطة بمقدرة العالم على الإيفاء بمتطلبات هذه الأغراض النحوية حقها بأسلوبه الخاص. ولاغرابة أن يكون الأسلوب النقدي أحد هذه الأساليب النحوية، بل ويكون الأسلوب النقدي نفسه موضوعًا من موضوعات النقد النحوي، فضلًا عن كونه أحد أدوات هذا النقد، وقد مرَّت بنا طائفة من الأمثلة على ذلك لدى تحليلنا لكتاب (الرد على سيبويه) للمبرد، مما أخذه إبن ولاّد على أسلوب المبرد في ردّه على سيبويه، ففي المسألة (72) - مثلًا - من مسائل (الانتصار) لإبن ولاّد اعترض المبرد على سيبويه في باب ترجمته: (ا باب الرفع فيما اتصل بالأول كاتصاله بالفاء، وما انتصب لأنه غايه) وذلك على قوله: (( وتقول: أسِرت حتى تدخلها؟ نصبٌ، لأنك لم تثبت سيرًا تزعم أنه قد كان معه دخول ) ) [5] . فعلّق المبرد على ذلك بقوله: (( وقولك: كان منه سيرُ فدخولُ جيدُ بالغُ، أو أكان منك سيرُ فانك تدخلها الساعة، ممتنع، وهذا قول الأخفش ) ) [6] . فردَّ عليه إبن ولاّد بقوله: (( قد اعتلّ سيبويه لامتناع هذه المسألة من الجواز، ولم يأتِ محمد
(1) التكملة: 181.
(2) رسالة الإفصاح: 103.
(3) ينظر: الموازنة، منهجًا نقديًا قديمًا وحديثًا (رسالة) : 215.
(4) ينظر: في نقد النحو العربي: 12.
(5) كتاب سيبويه (هارون) : 3/ 20.
(6) الانتصار لسيبويه على المبرد: 173.