الصفحة 329 من 416

بقولٍ يدفع علتّه، ولا بكلام يكسر حجّته أكثر من الوصف أن الكلام جيد بالغُ، وأنه قول الأخفش ولم يزدنا على هذا شيئًا، ولا أتى بشبهة توضّحها، ولا بحجّة تتبعها )) [1] .

إن الأسلوب النحوي يصدق على جانبين رئيسين: عام، يُراد به كيفية عرض العالم لموضوعات النحو بعد توفيقه لاختيار طريقة العرض والمنهج الذي يعتمد عليه في طريقة عرضه. وخاص، يُراد به وسيلة العرض؛ ووسيلة العرض هي اللغة بعدّها الإناء الذي يحوي مادة الأسلوب بما فيها من عبارات وأمثلة ومصطلحات. وتنقد الأساليب النحوية (بشكل عام) إمّا لأن ضعف الأسلوب يؤدي إلى خلاف المقصود فيوهم أحكامًا تخالف قواعد النحو. من ذلك أن الزجاجي قال: (( واعلم أنك لا تجمع بين الآلف واللام بالإضافة. لا تقول: هذا الغلام زيد، ولا هذا الضارب عمرو، لأن الاسم لا يتعرّف من جهتين مختلفين ) ) [2] فردَّ عليه إبن السِّيْد بقوله: (( هذا الذي قاله أبو القاسم صحيح إلا أن قوله: من وجهين مختلفين، عبارة فاسدة، لأنه يوهم أن يتعرّف من وجهين متفقين، وهو لا يجوز على كل حال لا على وجه الاتفاق ولا على وجه الإختلاف ) ) [3] .

وقد يكون ضعف الأسلوب ناتج عن تناقض آراء العالم في المسألة الواحدة. من ذلك أن الزجاجي قال في (باب الأفعال) من كتابه (الجمل) : (( الأفعال ثلاثة: فعل ماضٍ وفعل مستقل، وفعل في الحال يسمى الدائم ) ) [4] . فعلَّق إبن السِّيْد على هذا بانه (( تقسيم صحيح غير أنه يخالف

قوله في صدر الكتاب [5] : أن الفعل مادلَّ على حدث وزمان: ماضٍ أو مستقبل )) [6] .

كذلك فان تبويب المسائل وتنظيمها مما يشكل مطعنًا على أساليب النحاة، كأن يشغل العالم نفسه في عرضه لمسائل الباب بما لا يلزم. من ذلك أن إبن الطراوة علَّق على أسلوب أبي علي الفارسي في (باب كَمْ) من كتابة (الإيضاح) [7] ، فقال: (( شُغل في هذا الباب بخلط الألفاظ بالاعراب، وتقديم ما عُهد تأخيره، وترك ما يتعين تفسيره، مع كثرة الخطاب، وقلّة الصواب، فمن اقتصر عليه خرج منه كما دخل فيه، فكتاب(الجمل) [للزجاجي] في هذا وغيره أنفع في المعرفة )) [8] ، ولا يخفى وجه التحامل على شخص الفارسي في هذا التعليق، حتى فضَّل عليه أسلوب الزجاجي، وقد أوضحنا دوافع هذا التحامل في موضعه، وقد سبق.

(1) المصدر نفسه: 174.

(2) الجمل: 155.

(3) الحلل في إصلاح الخلل: 245.

(4) الجمل: 21.

(5) الجمل: 17.

(6) الحلل في إصلاح الخلل: 88.

(7) ينظر: الإيضاح: 220.

(8) رسالة الإفصاح: 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت