الصفحة 331 من 416

تعدّ الأمثلة أحد الأساليب التعليمية التي اعتادها النحاة، حتى صارت لازمة من لوازمهم وضرورة من ضروراتهم، فلا يضطرون إلى الإكثار من الشواهد التي يعضدون بها قواعدهم [1] ، ولِما لها من أثر بالغ في ترسيخ القاعدة النحوية في أذهان المتعلمين، فالغاية الرئيسة من الأمثلة سوق الأُطر النظرية للقاعدة النحوية لتقريرها وتقريبها ولا يستهدف معناها أو دلالاتها، لأنها لا ترمي إلى كشف وجوه التعبير الذي يأخذ صاحبه بطواعية اللغة قدر ما تتجه إلى الألغاز والتعمية إذا أُريد بها التمرين، أو التقريب والتفهيم إذا أُريد منها أن تحلّ محلّ الشواهد. قال عبد القاهر الجرجاني: (( مسائل التصريف التي يضعها النحويون للرياضة ولضرب من تمكين المقاييس في النفوس كقولهم: كيف تبنى من كذا كذا؟ وكقولهم: ما وزن كذا؟ وتتبعهم في ذلك الألفاظ الوحشية، كقولهم: ما وزن عزويت وما وزن أزونان؟ وكقولهم في باب ما لا ينصرف: لو سمّيت رجلًا بكذا كيف يكون الحكم؟ وأشباه ذلك ) ) [2] .

إن (التمثيل) هو عملية صوغ الأمثلة أو طلب صياغتها، وقد سمّى القدماء ذلك (تصريفًا)

-كما تقدم من قول عبد القاهر - لشيوعه في علم الصرف، وتُنسب فكرة التمثيل أو التصريف إلى الخليل بن أحمد [3] ، وسمّاه المحدثون: (الرياضة العقلية) [4] . أما (الأمثلة) فهي التراكيب اللغوية المصاغة صياغة نحوية خاصة، سواء أكان وضع المثال عفويًا أو كان جوابًا على طلب تمثيل

وقد أطلق النحاة على هذه التراكيب اللغوية مصطلح (الأمثلة) . أمّا مسائل التمثيل أو التصريف فلم يجد الباحث - بحسب ما هُدي إلى استقرائه - العلماء يعيب بعضهم تمثيل (تصريف) بعضهم الآخر إلا في بعض المواضع التي سبق أن أشرنا إليها [5] ، ثم ما كان من ابن مضاء القرطبي الذي دعا إلى إلغاء هذه التمارين من النحو جملةً؛ بدعوى أنها لا تفيد نطقًا؛ وقد نعتها بـ (( المظنون المُستغنى عنه ) ) [6] . أمّا الأمثلة التي يُراد بها تقرير القواعد النحوية فقد وقع النقد فيها ومن وجوه عديدة، وهي ترد بجملتها إلى أمرين: فأمّا أن يكون فساد المثال لضعفه في نفسه، أو لضعف التمثيل به فالأول يعني أن فساد المثال متأتٍ من فساد مضمونه لضعف تأليف أجزائه؛ وذلك على وجوه، منها: أن يكون تأليف أجزاء المثال عل خلاف قانون النحو. ومنه تمثيل أبي علي الفارسي في (باب المصادر التي أُعملت عمل الفعل) من كتابه (الإيضاح) وذلك قوله: (( أعجبني الضربُ زيدٌ عمرًا ) ) [7] فردَّ عليه ابن الطراوة تمثيله هذا بأنه (( باطلُ لا وجه له، وتوهم فاسد لا يُعبأ به، لأن(الضربَ) هنا هو اسم

(1) ينظر: في نقد النحو العربي: 9.

(2) دلائل الإعجاز: 24.

(3) ينظر: في نقد النحو العربي: 107.

(4) ينظر: المصدر نفسه.

(5) ينظر: ص 147 من هذا البحث.

(6) ينظر: الرد على النحاة: 140.

(7) ينظر: الإيضاح: 60 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت