الصفحة 335 من 416

، فالجملة والعبارة إسمان لمسمى واحد، وإنما اختلفت التسمية تبعًا لإختلاف الوظيفة، فهي من حيث البناء النظري تُسمى (جملة) ومن حيث البناء العملي تُسمى (عبارة) ، وإنما سمِّيت الجملة عبارةً بعدّها أحدى أدوات الأسلوب، لأنها تعبّر بالضرورة عن موقف العالم تجاه المسألة موضوع البحث، فاذا كانت الألفاظ مادة الأسلوب الأولى؛ فان العبارة هي الأطار الذي تنظم فيه تلك الألفاظ التي تعبّر عن أفكار صاحبها في سياق لغوي خاص فيسمّى هذا التركيب اللغوي (عبارة) وطريقة تأليفه (تعبير) .

إن وصول العالم إلى مبتغاه مرهون بنجاحه في التعبير عن هذه الأفكار بألفاظ صحيحة ومعانيٍ واضحة، فاذا فسدت الألفاظ أو المعاني فسد التعبير بفساد العبارة أو فساد أجزائها. إذًا فالعبارة مما يُشكّل مطعنًا آخر على أساليب النحاة، وهي تُنقد عمومًا لاجتنابها السلامة اللغوية ويكون ذلك في ثلاثة أشياء: أحدها، فساد اللفظ وذلك على وجوه، منها: أن يكون القصد مصيبُ لكن الكلام على غير استواء، فقد وقع في بعض نسخ الكتاب لسيبويه: (( وكل أفَعَل نكرة، وأما قولهم: إنه معرفة لأنه لا ينصرف فليس بشيء، لأن أفَعَل لا ينصرف في النكرة ) ) [1] ، فاعترض المبرد على هذه العبارة بقوله: (( إنما ينبغي أن يقول: ما كان منه غير وصف أو كان مثالًا إنصرف في النكرة وما كان وصفًا لم ينصرف وإن كان نكرة ) ) [2] ، فردَّ عليه ابن ولاّد بأن القول المصيب في اللفظ والمعنى ما قال سيبويه، لأنه إنما ردَّ على الذين يدّعون أن (ابن أَفعَل) في هذا الباب على الإطلاق والعموم معرفة لأنه لا ينصرف [3] . ولو احتج ابن ولاّد بنصّ عبارة سيبويه قبل أن يفسِّرها لكان أبلغ لأن المبرِّد إنما اعتمد في رده على سيبويه ـ كما يظهر ـ نسخةً محرّفةً للكتاب.

أو قد يكون لإبدال الألفاظ بعضها من بعض ما ينقض المعنى ويفسد العبارة. من ذلك ما نسبه ابن الطراوة إلى أبي علي الفارسي أنه قال: (( الكلمُ يأتلف من ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف ) ) [4] ، فعلّق على معاورته لفظ (ينقسم) بـ (يأتلف) قائلًا: (( فما زعمه سيبويه منقسمًا إلى ثلاثة زعمه المؤلِّف [أبو علي] ملتئمًا من ثلاثة، إلا أن ما زعمه سيبويه معقول مقول، وما زعمه المؤلِّف [أبو علي الفرسي] لا مقول ولا معقول ) ) [5] . لكن أبو علي النحوي لم يقل: (( الكلم ) )إنما قال: (( الكلام ) ) [6] ، وبهذا تسقط الكلفة عنه، وتلزم الحجّة خصمه.

(1) ينظر كتاب سيبويه (هارون) : 2/ 99، وفيه: (( وقال ناس: كل إبن افعل معرفة لأنه لا ينصرف. وهذا خطأ؛ لأن أفعل لا ينصرف وهو نكرة .. ) ).

(2) الانتصار لسيبويه على المبرد: 134.

(3) المصدر نفسه.

(4) رسالة الإفصاح: 17.

(5) المصدر نفسه: 17.

(6) ينظر: الإيضاح: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت