الصفحة 336 من 416

أو قد تكون ألفاظ العبارة هجينه وركيكة، فابن الطراوة لم تعجبه عبارة أبي علي الفارسي في (باب النكرة المضافة) : (( لا مرور ثابتُ بزيدٍ ) ) [1] ، فوصف ألفاظها بالهجنه والركّة [2] ، وإن كان وصفه مبالغُ فيه.

أمّا الشيء الآخر الذي يشكِّل مطعنًا على العبارة فهو فساد معناها، فقد يؤدي فساد المعنى إلى خلاف ما تقتضيه قوانين النحو، من ذلك عبارة الزجاجي: (( وحذف النون أيضًا علامة الجزم في تثنية الأفعال وجمعها ) ) [3] ، فعلّق ابن السِّيْد على هذه العبارة بأنها (( عبارة فاسدة لأن الأفعال لا تثنى ولا تجمع ) ) [4] .

أو قد لا يكون معنى العبارة واضحًا فيختفي وراء ستار كثيف من الدلالات المشكلة، فلا يمكن الوصول إليه إلا بكّد الذهن وإعمال الفكر. من ذلك عبارة سيبويه: (( ما أغفله عنك شيئًا ) ) [5] فقد اختلف العلماء في تأويلها على مذاهب [6] ، حتى قال الأخفش الأوسط: (( أنا منذ عقلت أسأل عن هذا فلم أجد من يعرفه على الحقيقة ) ) [7] ، وقال يونس: (( ذهب من كان يعرف هذا ) ) [8] أي لا أحسب أن أحدًا يعرفه غير سيبويه. أمّا المبرِّد فذهب إلى أن المراد: دع الشك، ورضي الناس قوله [9] .

أمّا ثالث ما يشكّل مطعنًا على العبارة؛ فهو مبناها العام، أي أن يكون فساد العبارة من جهة اللفظ والمعنى جميعًا، فقد تُصاغ العبارة صياغة خاطئة من جهتي اللفظ والمعنى، فيؤدي فسادهما إلى تمويه الكلام وتضليل الأحكام. من ذلك قول الحسن بن صافي في (المسألة الثالثة) من مسائله العشر وهي في الكلام على قول العرب: (ليس الطيب إلا المسكُ) . قال (( إلا أن سيبويه والسيرافي تخبطا في هذا وما أتيا بطائل. فأول ذلك أن سيبويه قال: لغة في ليس أنها لا تعمل ) ) [10] . فرد عليه ابن برّي واصفًا كلامه هذا بالفساد. قال: (( فأوّل ذلك أنه قال: إنّ سيبويه قال: لغة في(ليس) أنها لا تعمل، فبدأ بنكرة في اللفظ ولم يأتِ لها بخبر، ويشبه أنه يريد أنها خبر مبتدأ مضمر. يريد: هذه لغة في (ليس) ، وهو كلام فاسد إذ لم يرتبط الكلام بما يقضي أنه حكاية كما فعل سيبويه. ثم قال: (إنها لاتعمل) فأكد الكلام بذكر (إنّ) ولا حاجه إليها وكان حقة أن يسقطها أو يأتي بحرف العطف فيقول:

(1) المصدر نفسه: 247.

(2) ينظر: رسالة الإفصاح: 86.

(3) الجمل: 21.

(4) الحلل في اصلاح الخلل: 80.

(5) ينظر: أخبار أبي القاسم الزجاجي: 216 - 127.

(6) كتاب سيبويه (هارون) : 2/ 129

(7) كتاب سيبويه (هارون) : 216.

(8) المصدر نفسه:

(9) ينظر: المصدر نفسه: 216 - 217.

(10) ملك النحاة، حياته وشعره ومسائله العشر: 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت