فهرس الكتاب
وأنها لا تعمل، وإن كان يريد أنها خبر المبتدأ الذي هو لغة وتكون مفتوحة لا مكسورة فهو أقبح مما تقدم في الوجه الأول، لأن الضمير في (إنهّا) إنما يعود إلى (ليس) لا إلى اللغة. ألا ترى أنه لا يصح أن تخبر عن اللغة بأنها لا تعمل أو بأنها تعمل فهذا ما في لفظه وعبارته من الفساد. وأما من جهة المعنى، فإنه زاد في كلام سيبويه (( أنها لا تعمل ) )ولم يذكره سيبويه ولا يصح أن يذكره لأنه لم يقطع عليها بإبطال عملها، وكلام هذا الحاكي عنه يوجب القطع بإبطال عملها )) [1] .
أو قد توهم صيغة العبارة خلاف المقصود. من ذلك قول سيبويه عن الخليل: (( ولو سمّيت رجلًا بالضاد من ضَرَبَ لقلت: ضاءٌ، وإن سمّيته بها من ضِِرِابِِ قلت: ضيٌّ، وإن سمّيته بها من ضُحَى قلت: ضُوٌّ ) ) [2] ، أي أن تلحق بعد كل حرف ما حركته منه، ثم تزيد على الذي يُلحق مثله كما فعلت بـ (في) و (لو) و (لا) [3] ، فعلّق المبرِّد على عبارته بأنها (( خطأ فاحش .. ونقض لما أصّل عليه، لأنك إنما تتوهم ما حُذف منه بالحركات والحروف إذا لم تدرِ ما أصله، فأما إذا عرفت أنها ضادٌ من ضَرَب لم ترد إلا راء ضَرَبَ وباءَها، لأنه منها حذف، وقد عرفت ذلك، و(ما) و (في) و (لو) لم تدرِ ما حُذف منهن، فردَّدت مثل ما فيهن، ألا ترى أنك تصغّر حَرأ فتقول: حُريحٌ لقولك أحراح، وتقول في رجل اسمه ذو: هذا ذوأ قد جاء، لقولك: ذوات، وكذلك جميع ما يشبه هذا )) [4] . فردَّ عليه ابن ولاّد أن ليس ثمة ما يدعو للوهم وخلط الأحكام. قال: (( لم يرد الخليل بذكر الباء من ضَرَب هذه الجملة بعينها، وإنما جعل ضَرَبَ مثالًا، والباء من ضَرَبَ ومن ذَهَبَ واحد، كما أنه لم يقصد إلى الباء بعينها دون الضاد ودون كل حرف مفتوح فجعله حرفًا مفتوحًا في مثال من الأمثلة، لأن حروف المعجم ليست لها حركات تستحقها في: أ، ب، ت، ث قبل تأليفها في أبنية الكلام، فلذلك مثلها في بناء من الأبنية لتراها متحركة أو ساكنة في بناء الكلمة ) ) [5] .
أو قد تكون العبارة مطلقة غير مقيدة، كعبارة الزجاجي: (( وإذا ابتدأت(بإذن) نصبت بها الفعل، ولم يجز الإلغاء )) [6] ، قال ابن السِّيْد تعليقًا على هذا الكلام: (( هذا على الاطلاق غير صحيح حتى يُقيّد ذلك بأن يقول: إذا ابتدأت بإذن ولم يكن الفعل حالًا. لأن فعل الحال لا تعمل فيه العوامل، وهو في الأفعال بمنزلة المبتدأ في الاسماء ) ) [7] .
(1) المصدر نفسه: 111.
(2) كتاب سيبويه (هارون) : 3/ 325 - 326.
(3) ينظر: كتاب سيبويه (هارون) : 3/ 325 - 326.
(4) الانتصار لسيبويه على المبرد: 207.
(5) المصدر نفسه.
(6) الجمل: 206.
(7) الحلل في اصلاح الخلل: 265.