الصفحة 343 من 416

: (( الخطأ والخطاء ضد الصواب، وأخطأ الطريق، عَدَلَ عنه، وأخطأ الرامي الغرض لم يصبه، وأخطأ يُخطئ إذا سلك سبيل الخطأ عمدًا وسهوًا ) ) [1] . أما الغلط: فـ (( أن تعيا بالشيء فلا تعرف وجه الصواب فيه، وقد غَلِط في الأمر يَغْلَطُ غلطًا، وأغلطه غيره ) ) [2] . ثم إن القرآن الكريم فرّق بينهما، وجعل الخطأ من الخطيئة وهي (الذنب) ، ولم يصف الأخطاء بأنها أغلاط، بل لم يرد لفظ (الغلط) في القرآن الكريم البتة [3] . كذلك يؤخذ عليهم ـ ومن جانب آخر معاوراتهم ـ المصطلحات المشتركة العامة (غلط، خطأ) من المصطلحات الطارئة الخاصة (فاسد، غير صحيح) لأن هذا يؤدي إلى طمس الفوارق الدلالية التي من أجلها توسع النحاة في استعمال هذه المصطلحات، فحين كانوا يصفون بعض أخطاء القياس - مثلًا - بالغلط، وهم يعنون به الغلط نفسه؛ كانوا في أحيان أخرى يصفون أخطاءً أخرى بالغلط وهم لا يعنون به الغلط نفسه، من ذلك قول الخليل في تخطيء بعض الأعراب: (( فأما قولهم: مَصائبُ، فإنه غلط منهم، وذلك أنهم توهموا أن مصيبة فَسِيلة، وإنما هي مُفْعِلةٌ، و قد قالوا: مَصاوِب ) ) [4] . فحمل الوهم على ما يُحمل عليه الغلط. كذلك قال سيبويه في تخطيء بعض الأعراب: (( إعلم أن ناسًا من العرب يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيدٌ ذاهبان، وذاك أن معناه معنى الابتداء، فيرى أنه قال: هم ) ) [5] . قال الدكتور شوقي ضيف: (( كان [سيبويه] يسجل دائمًا ما جاء شذوذًا على ألسنتهم، وهو ينعته تارةً بالضعف وتارةً بالشذوذ أو القبح أو الغلط، يقصد بذلك إلى أنه يخالف القياس الذي ينبغي إتباعه ) ) [6] . ولا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن أغلب ما يتوهم به أهل اللغة يُحمل على الغلط، (( فحين تمكن النحويون من استقراء قواعد اللغة، راحوا يغلّطون بعض العرب فيما ورد عنهم من أساليبهم، وهم يعنون بالغلط التوهم ) ) [7] ، كما أنهم أطلقوا على الشاذ والنادر مصطلح الغلط [8] ، ولو اقتصر الأمر على هذا الحدّ لكان هينًا. فإن أكبر تحدي واجه النقاد بعامّة واللغة النقدية بخاصة هو مسألة تخطيء القراءات القرآنية.

كانت هذه القضية المتشعبة مثار جدل طويل بين الدارسين المحدثين [9] ، وكان المصطلح النقدي محورًا رئيسيًا فيها، ذلك أن النحاة أبدلوا مصطلح (اللحن) بمصطلحي: (الخطأ) و (الغلط)

(1) اللسان: مادة (خطأ) .

(2) المصدر نفسه: مادة (غَلَطَ) .

(3) هذه نتيجة مستقرأة من كتاب (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) .

(4) كتاب سيبويه (بولاق) : 2/ 367، وينظر: الخصائص: 3/ 277.

(5) كتاب سيبويه (بولاق) : 1/ 290.

(6) المدارس النحوية (ضيف) : 81.

(7) المؤاخذات النحوية حتى نهاية المئة الرابعة الهجرية (رسالة) : 7.

(8) ينظر: ظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 171.

(9) ينظر: سيبويه والقراءات، دراسة تحليلية معيارية: 12 - 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت