الصفحة 344 من 416

وكأنهما بمكان، كحكمهم على قراءة نافع: {ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش} [1] ، بهمز (معايش) بأنها خطأ، قال أبو حيان الأندلسي: (( جميع نحاة البصرة تزعم أن همزها خطأ ) ) [2] كذلك حكم عليها ابن خالويه من الكوفيين بالحكم نفسه؛ وقد جمع في حكمه المصطلحين كليهما: (الخطأ) و (اللحن) . قال: (( من همز هذه الياء فقد لحن. وقد روى خارجة عن نافع همزه وهو غلط ) ) [3] . ونقل ابن خالويه تعليق النحاة على قراءة الحسن البصري: {وَلا أدْرَأكمْ بهِ} [4] فقال: (( قال النحويون: غَلِط الحسن كما أن العرب قد تغلط في بعض مالا يُهمز فيهمزونه، يقولون: حَلأتُ السويق، وإنما هو حَلّيتُ السويقُ، يشبهونه بحلأتُ الأبل إذا زجرتها عن الماء ) ) [5] . لكن الوصف لو صدق على هذه القراءات لكان مصطلح (اللحن) أصوب من مصطلح (الخطأ) أو (الغلط) ، لأن الخطأ في الأمثلة المتقدمة - إن جاز التعبير - يخصّ البنية لا الإعراب، وحتى لو كان الخطأ في الإعراب فهو إنما ينحسر بحركة الإعراب لا غير، وحينئذ يسمى هذا الخطأ

الإعرابي: (لحن) لا (غلط) ولا (خطأ) ؛ إذ اللحن كما جاء في (لسان العرب) يصدق على ستة معانٍ [6] هي: الخطأ في الإعراب، والغناء، والفطنة، والتعريض، والمعنى. إذًا فاللحن يُطلق على التغيير الذي يصيب علامات الإعراب، ثم تُوسِّع فيه فصار يشمل خطأ البُنية وخطأ الدلالة وخطأ الوزن [7] . أما مصطلح (الخطأ) أو (الغلط) فيُطلق على تغيير كلمة بكلمة أخرى، أو تقديم كلمة محلّها التأخير أو تأخير كلمة محلّها التقديم [8] ، وشتّان بين هذا وذاك. إذًا فإطلاق حكم (الغلط) ؛ أو (الخطأ) على ما رمُيَت به هذه القراءات يحمل دلالة غير التي يحملها مصطلح (اللحن) ، فلو صحّ أن نطلق على الأخطاء التي تتعلق بعلامات الإعراب مصطلح (الخطأ) أو (الغلط) ؛ لصحّ أن نطلق على أخطاء القياس وأغلاط الحدود والتعريفات ـ مثلًا ـ مصطلح (اللحن) . والذي يظهر إنّ (( .. رجال النحو لم يكونوا يفرقون بين لفظ: لحن، وغلط، وخطأ. وقد تبيّن ... أنهم كانوا يستعملون الواحد من هذه الأسماء مكان الآخرين ... والنحاة حينما كانوا يتحدّون القرّاء ويناقشوهم في قراءاتهم وآرائهم كانوا يطلقون عليهم هذه الألفاظ الثلاثة، وكأنها مترادفة، دون تمييز في المعنى، ولا ملاحظة في التفرقة بين أنواع الأخطاء ) ) [9] . قال الدكتور أحمد مختار عمر: (( .. إنما نعيب عليهم وصفهم بعض القراءات بأنه

(1) الأعراف: من الآية: 10.

(2) البحر المحيط: 4/ 271، وينظر: كتاب سيبويه (بولاق) : 2/ 367.

(3) إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم: 51.

(4) يونس: من الآية: 66.

(5) إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم: 51.

(6) اللسان: مادة (لحَنَ) .

(7) ينظر: اللغة والنحو، دراسات تاريخية وتحليلة ومقارنة: 164 -165.

(8) ينظر: المصدر نفسه: 177 - 178.

(9) المصدر نفسه: 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت