الصفحة 346 من 416

قائلًا: (( هذا الذي ذكرته جوابٌ ميداني فاذا رجعتُ قلت لك الجواب الصحيح ) ) [1] ، وما دفعه لأن يُذيّل جوابه بهذه العبارة إلا لأنه أحسّ بتشتت فكره، فعزبَ عنه الجواب الأمثل الذي لم يكن مقيدًا حال التفوه به، فخشي أن يكون هدفًا لسهام النقد، فراح يبرر ما كان عالقًا في خاطره؛ وأن الطريقة التي أجاب بها لم تكن طريقة مناسبة إنما دُفع إليها بسؤال عضد الدولة.

إن استحضار الجواب الأمثل يكون محكومًا بخصوصية الطريقة المتبعة، إذ المعتبر في صفة (المسؤول منه) وفق الطرائق الشفوية عند النحاة كما نصّ أبو البركات الأنباري هو أنه (( يُستحب للمسؤول أن يأخذ في ذكر الجواب بعد تعيين السؤال؛ فان سكت بعد تعيين السؤال كان قبيحًا، وكذلك إن ذكر الجواب وسكت عن ذكر الدليل زمانًا طويلًا كان قبيحًا ) ) [2] ، وهذا من أخصّ خصائص الطرائق الشفوية التي تستدعي سرعة في الخاطر وقوة في التفكير ودقة في الملاحظة، إذًا فقيمة العامل الزمني المتحقق عن سرعة الاجابة في الأعمال النقدية له تأثير واضح على صياغة الأحكام النقدية والتي هي مدار العمل النقدي، على أنك لا تجد من هذه الالزامات شيئًا في طرائق النقد التحريرية، وهذا مما يُحسب لصالح القلم على اللسان، فأقلّ ما يعنّ للعلماء في طرائق النقد الشفوية أن يرد عن العالم قولًا في حالٍ، ثم ينقضه بقول ألجأه إليه حالٌ آخر مُنح فيه سعةً في النظر، وهذا ما لفت نظر إبن جنّي فشرحه تحت عنوان: (باب في اللفظين على المعنى الواحد يَرِدَان عن العالم متضادين) . ذكر فيه أن أكثر من يقع له ذلك الأخفش. قال: (( وقد كان أبو الحسن ركّابًا لهذا الثبج، آخذًا به، غير محتشم منه، وأكثر كلامه في عامّة كتبه عليه. وكنت إذا ألزمْتُ عند أبي عليّ [الفارسي] - رحمه الله - قولًا لأبي الحسن شيئًا لا بدّ للنظر من إلزامه إيّاه يقول لي: مذاهب أبي الحسن كثيرة ) ) [3] ، على أن أبا علي الفارسي كان ممن يعنّ له ذلك كما أشرنا، وقد ذكر إبن جنّي في هذا المقام طائفة مما وقع لشيخه أبي علي، من ذلك قوله: (( وكان أبو علي - رحمه الله - يقول في هيْهات: أنا أُفتي مرّة بكونها إسمًا سمّي به الفعل؛ كصَهْ و مَهْ، وأُفتي مرّة أخرى بكونها ظرفًا، على قدر ما يحضرني في الحال ) ) [4] . وقد علل إبن جنّي ذلك بأن (( هذا ونحوه من خِلاج الخاطر، وتعادي المناظر ) ) [5] ، ولم يكن إبن جنّي بمنجيً من هذا الاختلاج؛ فحاله حال مَنْ سلك سبيل المشافهة التي لا تراعي من تعذر عليه الالمام بخصائصها، فمن حديثه عن خاطر نفسه قوله: (( ومن طريق حديث هذا الخاطر أنني كنت منذ زمان طويل رأيت رأيًا جمعت فيه بين معنى آية ومعنى قول الشاعر ... بيت شعر. ولم أثبت حينئذٍ شرح حال الجمع بينهما ثقة بحضوره متى استحضرتهُ، ثم إني الآن - وقد مضى له سنون - أعانّ

(1) معجم الأدباء: 7/ 238.

(2) جدل الإعراب: 42 - 43.

(3) الخصائص: 1/ 205 - 206.

(4) المصدر نفسه: 1/ 206.

(5) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت