الصفحة 347 من 416

الخاطر وأستثمده، وأفانيه وأتودّده، على أن يسمح لي بما كان أرانيه من الجمع بين معنى الآية والبيت، وهو معتاصٌ متّأبٌ، وضنين به غير معطٍ )) [1] .

ويتدخل عامل الزمن مرةً أخرى بصورة مباشرة وبشكل أوسع في خصائص طرائق النقد الشفوية والتي تستدعي أغلب طرائقها حظور الطرفين المتناقدين زمانًا ومكانًا، ولكن هذه المرة عن طريق (المعاصرة) .

تتح المعاصرة للمنقود فرصةً في الرد عن نفسه فيما أُخذ عليه، معرّفًا بحدود مذهبه وموضحًا وباسطًا لحججه وشارحًا لقول نفسه، أو على الأقل مقرًّا بخطىء نفسه، مفيدًا مما أُخذ عليه. قيل لأبي عبيد القاسم بن سلاّم أنه أُخذ عليه مواضع في بعض كتبه، فقال: (( لعلي لو ناظرت فيها لا حتججت عنها ) ) [2] . وكان الزجاجي يحرص في أغلب مؤلفاته أن يرد على خصومه بعد أن يتخيّل وجودهم فيطلبهم للمناظرة؛ من ذلك قوله في مقدمة كتابه (الأيضاح في علل النحو) : (( ومَنْ سمت به نفسه إلى تتبع ما أودعناه إياه وسميناه فيه وفحصه والكشف عن حقائقه على ما لعلّة قد انستر عنه، ولا يحكم من أول وهلة بخروج عن الحق، فان هو فعل ذلك وتدبيره ولم يره ينقاد في طريقة القياس مستمرًا، أو رأى أنه لاحقّ إلا في غيره، كانت حلبة التناظر - باجتماع ذوي الفهم والنظر والفحص والجدل معنا فيها - فاصلةً بيننا وبينه ) ) [3] ، فالزجاجي يرى في طريقة التناظر فرصة في الرد على خصومه، بل إنه يرى أن المناظرة هي السبيل الوحيد لذلك، وهذه الغاية لا تتحقق إلا بالمعاصرة، غير أن الناقد في طرائق النقد التحريرية لا يتقيد بشيء من ذلك؛ لأنه يرد على مَنْ عاصره ومن لم يعاصره ممن سبق. ومع هذا فالنحاة لا يريدون التفريط بأيٍّ من هذه الطرائق لانفراد كل واحدة منها بخصوصية تميزها عن غيرها.

حاول النقاد الافادة من خصائص الطرائق النقدية الشفوية والتحريرية على حدّ سواء، فعملوا على تطويع هذه الطرائق وتقريبها حتى يصبح من اليسر اللجوء اليها في آن واحد، لايمانهم بجدوى كل طريقة منها في بعض المواقف دون بعضها الآخر، والناظر في كتب النقد النحوي يرى مصداق ذلك، منه إفادة إبن ولاّد من الاسلوب الجدلي في عقد مناظرة متخيّلة مع المبرد ينتصر فيها لسيبويه متجاوزًا بذلك قيد المعاصرة التي حالت بينه وبين لقاء المبرد؛ لأيمانه بجدوى هذا الأسلوب في الرد عليه، فجاءت المسألة الثالثة بعد الخمسين من مسائل (الانتصار) بصيغة إلقاء السؤال وطلب الجواب، على حد قوله: (( وإنما كان ينبغي أن يقول ... فيُقال له ... فاذا قال ... قيل له ... فاذا قلت ... يُقال ... فان قال ... قيل ... وهكذا ) ). فهذه مناظرة مفترضة أجراها إبن ولاّد كما يحب هو لا كما يرغب المبرد، وإن كانت المناظرات لا تجري هكذا، فرغبة أحد الطرفين لا تكفي لرسم خطواتها، إنما هي أوضاع مصطنعة

(1) الخصائص: 1/ 207.

(2) معجم الأدباء: 16/ ... .

(3) الإيضاح في علل النحو: 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت