فهرس الكتاب
لجأ اليها العلماء لمعرفتهم بجدوى هذه الطرائق، وهذا إبن السِّيْد يعرض لقول الزجاجي في (حدّ الفعل) [1] فيخطئه فيه، بعد أن جعله طرفًا في موازنة نقدية لم يكن هناك مسوغ للقيام بها إلا الاعتقاد بجدواها في الرد على الزجاجي أولًا، ثم على النحاة ممن نحا نحوه ثانيًا. وهكذا تسنى له الحكم على مجموعة كبيرة من العلماء بعد أن استحضر أقوالهم وعقد بينها تلك الموازنة. لكن التقريب بين الطرائق النقدية محكوم بطواعية الطريقة نفسها، وقد عَلَقَ في ذهن النحاة أن مسألة التوفيق بين الطرائق النقدية للافادة منها لا يلغي فكرة إختيار الطريقة النقدية، فكل طريقة منها لا زالت تحتفظ ولو نسبيًا بخصائصها التي تميزها عن باقي طرائق النقد. وقد نصّ السيرافي على ذلك لمّا طلب منه صاحب المجلس مناظرة متى بن يونس المنطقي، (( فرفع أبو سعيد السيرافي رأسه وقال: أعذر أيها الوزير، فان العلم المصون في الصدور، غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع المصيخة، والعيون المحدقة، والألسن الحاصدة، والألباب الناقدة، لأن هذا يستصحب الهيبة، والهيبة مَكْسَرَةٌ، ويجتلب الحياء، والحياء مغلبةٌ، وليس البراز في معركةٍ غاصّة كالصراع في بقعةٍ خاصةٍ ) ) [2] . إذًا فمسألة إختيار الطريقة لا يعني أن أفكار الناقد ستتباين أو أن موقفه من المسألة سيتغير وفقًا لتغيير الطريقة، بل المعتبر في ذلك هو أنْ تتلاءم أفكار الناقد وموافقه مع خصائص الطريقة التي يسلكها في عرض آرائه، يقابل ذلك تلاؤم خصائص الطريقة مع طبيعة الموضوع قيد النقد. فقد تشكّل خصائص الطريقة هذه أو تلك عائقًا على سير العمل النقدي، وإن كان موقف الناقد من منقوده ثابتًا لا يتغير.
يمكننا في ضوء ما سبق أن نحدد الجوانب التي تتحكم في إختيار الطريقة النقدية بما يأتي:
1-تحقيق الجانب النفعي بالنسبة للناقد، فالأصمعي كان إذا أراد الاعتراض على سيبويه في شيءٍ من مذهبه ناظره عليه فيضمن أنه سينال منه لما عُرف عن قدرته في ذلك، وما عُرف عن سيبويه من أن قلمه أبلغ من لسانه [3] وكان يونس بن حبيب يقول في ذلك: (( الحق مع سيبويه وقد غلبه ذا - يعني الأصمعي بلسانه ) ) [4] .
2 -جدواها مع المنقود، فالفراءمع أنه كان يعيب على الكسائي حدّه لـ (نعم وبئس) و (أن) المفتوحة، و (حدّ الحكاية) [5] كان يخشى أن يناظره عليها، فلما سُئل عن سبب ذلك قال: (( أشفقت أن أحادثهُ فيقول فيَّ كلمةً تسقطني فأمسكت ) ) [6] ، لذا إختار طريقة المتون في الرد عليه [7] ، لأنه يوقن
(1) ينظر: الحلل في إصلاح الخلل: 66.
(2) معجم الأدباء: 8/ 192.
(3) ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 67 - 68.
(4) المصدر نفسه: 68، وبغية الوعاة: 2/ 112.
(5) ينظر: معجم الأدباء: 13/ 185.
(6) المصدر نفسه.
(7) ينظر: ص 224 من هذا البحث.