فهرس الكتاب
لمظاهر الشك، لأن إحتمال صدور الخطأ عن غير العلماء ونسبته اليهم بقصد أو بغيره أمر محتمل الوقوع. لذا فعملية توثيق النصوص تعدّ من مكملات مرحلة تحديد الخطأ لأنها تهيأ النص النحوي للدراسة والنقد، وهي بالمقابل تلزم مَنْ تصدى لنقد المؤلفات النحوية أن يكون أكثر حيطة وتنبّهًا لئلا يغفل شيئًا مما كان قد ألزم نفسه الوقوف عليه لأصلاحه وتقييمه، ومن هنا إكتسبت هذه الخطوة أهمية كبيرة لدى العلماء نظرًا إلى خطورتها، حتى أن بعض من يعنى عناية وكيدة بهذا الجانب إشتهر به، ذاك هو علي بن إبراهيم الأنصاري [1] ، فقد كان (( إمامًا في العربية، لا يُشق فيها غباره .. بحثًا وتوجيهًا واطلاعًا وعثورًا على سقطات الأعلام ) ) [2] ، ولا عجب؛ فان مسألة (تحديد الخطأ) كانت مما يُمتحن به المتناظرون منه ما وقع للكسائي في مناظرته لليزيدي بحضرة الرشيد وقد ألقى عليه اليزيدي بيتًا من الشعر فـ: (( قال: أنظر، في هذا الشعر
عيب؟ وأنشده [3] : ... ما رأينا خَرَبًَا نقَرَ عنه البيض صَقرُ
لا يكون العَيرُ مُهْرًا ... لا يكون، المهْرُ مُهْرُ
فقال الكسائي: قد أقوى الشاعر، فقال اليزيديّ آنظر فيه، فقال: أقوى لا بدّ ينصب المُهْرَ الثاني على أنه خبر كان .. فَضَربَ اليزيدي بقلنسوته الأرض وقال: أنا أبو محمد، الشعرُ صوابٌ، وإنما ابتدأ فقال: المهرُ مهْرُ )) [4] .
وتزيد أهمية هذه الخطوة وخطورتها لأنها تعدّ مفتاح العملية النقدية، وإن مجريات العمل النقدي تعتمد عليها بالدرجة الأساس، كذلك فان اعتبار الموضوعية في الخطوات اللاحقة يكون مرتبطًا بموضوعية هذه الخطوة، وإن أخوف ما تخوّف منه العلماء بعد تجاوزهم لهاجس الوقوع في الخطأ هو أن يُظن بهم ظن السوء ويُرمون بالخطأ وهم منه بُرءآء. قال الزجاجي: (( ومَنْ سمت به نفسه إلى تتبع ما أودعناه إياه وسميناه فيه وفحصه والكشف عن حقائقه فحقيق عليه إن مرّ به ما ينكره أن يراجع فكره ويثير قريحته ويحرك خاطره ليقف على ما لعله قد انستر عنه، ولا يحكم من أول وهله بخروج عن الحق ) ) [5] . إذ يفترض بالنقاد عدم التعجيل في إصدار الأحكام، بل وذهب إبن جنّي إلى أبعد من ذلك، فأهاب بالنقاد أن يجدّوا في إلتماس الوجوه والتأويلات الشرعية لهم والدفاع عنهم حتى حال الوقوف على أخطائهم التي قد لا يتهيأ للناقد ما يدفع به نسبتها عنهم، فحثّهم إلى النظر في تأريخ العالم العلمي بعيدًا
(1) كان عالمًا بالعربية وآدابها، قائمًا بالتفسير مقصودًا للفتيا، ينظم وينثر. ينظر: بغية الوعاة: 2/ 141.
(2) بغية الوعاة: 2/ 141.
(3) ينظر: مجالس العلماء للزجاجي: 195 بلا نسبه.
(4) معجم الأدباء: 13/ 178.
(5) الإيضاح في علل النحو: 39.