الصفحة 351 من 416

عن النص وما يتصل بوثاقته. قال: (( فان استبَهم الأمر فلم يُعرف التأريخ وجب سَبْر المذهبين وإنعام الفحص عن حال القولين. فإذا كان أحدهما أقوى من صاحبه وجب إحسان الظن بذلك العالم، وأن ينسب إليه أن الأقوى منهما هو قوله الثاني الذي به يقول وله يعتقد، وأن الأضعف منهما هو الأوّل منهما الذي تركه إلى الثاني. فان تساوى القولان في القوة وجب أن يعتقد فيهما أنهما رأيان له ... هذا بمقتضى العرف، وعلى إحسان الظن ) ) [1] . ووفق هذا الاعتبارات جعل ابن جنّي مهمة الناقد في هذه المرحلة أكبر من ذي قبل، فعلى الناقد أن يتحرى رأي منقوده في مؤلفاته الأخرى، وعليه ألاّ يتقيد بتأريخ معين حتى يحكم للعالم به لا عليه، فربما صدر عن العالم ما يدحض به رأيًا كان رآه في الماضي، وقد بنى على أنقاضه بعد حين رأيًا آخر. وقد ردّ ابن جنّي رجوع المبرد عن نقده لسيبويه إلى هذا الباب [2] ، والذي يظهر أن ابن جنّي كان أكثر من

أفاد من هذا المذهب، لأنه كما قال كارل بروكلمان: كان في كتابه (( المحتسب يأخذ ببعض مالم يرَ

الأخذ به في الخصائص )) [3] .

ويبقى التأكيد على التريث في هذه المرحلة أمرًا لا بدّ منه، ليس من باب الإشادة بالتريث والتحلّي به للابتعاد عن نوازع التجني فحسب، وإنما ليفيد الناقد نفسه من هذه الفسحة، لأن تقصّي وجوه الخطأ في المسألة ليس بالأمر الهين فقد يفوت العالم أشياء كان قد ندب نفسه للتصدي لها، لكنها بفواتها عليه ستجعله غرضًا لمن لا يغفل عن مثل هذه الأخطاء. فابن السِّيْد مثلًا مع ما امتاز به نقده من موضوعية في تتبع آراء الزجاجي في مؤلفاته الأخرى [4] ، فاته من أخطائه شيء كثير، فاستدرك عليه ابن الضائع مواضع منها، وكان يقول في ذلك: (( والعجب من ابن السِّيْد الذي تعرض لتتبع غلطاته ـ أي الزجاجي ـ، وغلط - هنا - بغلطه وغفل عنه وهو أحق بالتنبيه عن كثير مما ذكر ) ) [5] ، وقال في موضع آخر: (( ولم يتنبه ابن السِّيْد للرد على الزجاجي هذا على ولوعه بالرد عليه ) ) [6] ، وقال في موضع ثالث: (( كان ينبغي أن ينبّه ابن السِّيْد وغيره ممن تعرض للجمل وبيان خلله ولم ينبه واحد منهم على ذلك ) ) [7] .

وقد لا يكون العالم مخطئًا كما تصوّر الناقد، وهذا يزيد الأمر تعقيدًا ويجعل مهمة تحديد الخطأ أكثر خطورة، فقد يبني الناقد حكمه في المسألة النحوية على تحديد خاطئ وفهم غير مستقيم، وهذا ما

(1) الخصائص: 1/ 205.

(2) ينظر: الخصائص: 1/ 206.

(3) تأريخ الأدب العربي:2/ 264.

(4) ينظر: ص 121 - 122 من هذا البحث.

(5) ابن الضائع وأثره النحوي (رسالة) : قسم التحقيق: 978.

(6) المصدر نفسه: قسم التحقيق: 1019.

(7) المصدر نفسه: قسم التحقيق: 675.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت