الصفحة 352 من 416

وقع للمبرِّد في ردّه على سيبويه في مواضع كثيرة من كتابه (الرد) وقد جرى التبنيه على أكثرها، وكان ابن ولاّد أكثر تيقظًا من أن تمرّ به دون أن ينبّه عليها. من ذلك أن سيبويه مثّل لبعض المصادر التي تُرفع على الابتداء، وهي نكرة تجري مجرى ما فيه الألف واللام؛ بقولهم: سلامٌ عليك، ولبيك، وخيرٌ بين يديك [1] . فردَّ عليه المبرِّد بأن (( لبيك، مما لا يقع إلا منصوبًا كما ذكر في غير هذا الباب وذكره إيّاه في هذا الباب خطأ ) ) [2] ، فعلّق ابن ولاّد على حكم المبرِّد هذا بقوله: (( هذا الكلام جرى من محمد بن يزيد مجرى السهو، ومحلّه في هذه الصناعة فوق ذلك، وذلك أن سيبويه ذكر في هذا الباب المصادر التي تُرفع على الابتداء، وهي نكرة تجري مجرى ما فيه الألف واللام، فذكر قولهم: سلامٌ عليك، وقولهم: وخيرٌ بين يديك، إلا أن الناس لا يكادون يستعملون هذه الكلمة إلا بعد لبيّك، فيقولون: لبيّك وخيرٌ بين يديك، كأنهم يستعملونها مع الإجابة، فأتى بالكلام كلّه

والشاهد في بعضه، كما يؤتى بالشعر كله والشاهد في بعضه، كذلك يؤتى بالمثل والشاهد كلمةُ منه،

فلبيك في قوله نصبٌ وليس هذا بابه )) [3] .

لا شك أن إخفاق العالم في تحديد الخطأ سيحرف العمل النقدي عن وجهته لأنه بُني على أساس خاطئ وتصوّر غير صحيح الأمر الذي يفسّر لنا تركيز النقاد المتعصبين والمتحاملين على هذه الخطوة بالذات، لأن كل تمويه وتضليل في الأحكام النقدية يكون نافذًا من هذه الخطوة، كي يتمكنوا من إظهار منقوديهم بمظهر المخطئ. ففي أحد أبواب الكتاب لسيبويه، وهو باب (ما جرى من الأسماء التي تكون صفة مجرى الأسماء التي لا تكون صفة) قال سيبويه: (( وزعم يونس أن ناسًا يقولون: مررت برجل أفضل منه أبوه، فيجرونه على الأول كما يجرون مررت برجلٍ خزّ صُفتهُ ) ) [4] فردَّ عليه المبرد بقوله: (( ورواه سيبويه على القبول، وهذا غلط، لأن مررت برجلٍ خزّ صفته رديء جدًا ) ) [5] . فعلّق ابن ولاّد متعجبًا من قول المبرد. قال: (( فليت شعري في ايّ شيء غلط؟ أفي تركه تكذيب يونس في الرواية أم في تركه محاجّة العرب إذا صدّق يونس في روايته ) ) [6] .

ومن صور التجني أن تُنسب أخطاء غير العلماء إلى العلماء على أنها أحد أخطائهم، وقد مرّ بنا من أمثلة ذلك أخطاء النسّاخ التي كان إبن الطراوة ينسبها إلى أبي علي الفارسي [7] . وبما أن مصادر الخطأ كثيرة وأسبابها متعددة، فمنها ما تكون مصطنعة بقصد التجني ومنها ما تكون بسبب

(1) ينظر: كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 330.

(2) الانتصار لسيبويه على المبرد: 108.

(3) الانتصار لسيبويه على المبرد: 108 - 109.

(4) كتاب سيبويه (هارون) : 2/ 27.

(5) الانتصار لسيبويه على المبرد: 121.

(6) المصدر نفسه: 122.

(7) ينظر: رسالة الإفصاح: 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت