الصفحة 354 من 416

ما تعلل به، إذ يُصرف الجانب التعليلي مع هذه الأحكام لتبرير موقف الناقد، وقد يغني وضوح الخطأ من اللجوء اليها في بعض الأحيان.

القسم الثاني: الأحكام التي تُعلل بتعليل معقد، وأريد بالتعقيد هنا أنها لا تكون بالبساطة التي تُعلل بها أحكام الطائفة الأولى ولا تتسم بالعفوية التي إتسمت بها تلك الأحكام، فضلًا عن أن لها مسالك يسلكها النحاة حين الأدلاء بها [1] ، لا كالتي نراها مع أحكام الطائفة الأولى لا تلتزم - في الغالب - شكلًا واضحًا أو محددًا، وهذا النوع من العلل يغلب على الأحكام النقدية الخاصة بمسائل القياس وما يُبنى عليه من مسائل، كما تغلب هذه العلل على الأحكام الجدلية والنظرية.

ومع أنّا جعلنا مستوى التعليل مناطًا بنوع الأخطاء التي تتعلق بها؛ فان هناك أسبابًا أخرى تتدخل في مستوى التعليل، منها أن يكون العالم صاحب نزعة جدلية تجعله شغوفًا بايراد العلل حتى في المواضع التي لا تتطلب ذلك، فنحن وإذ قررنا أنه (( قد جاء التعليل مرافقًا للحكم النحوي، ولكننا نجد تفاوتًا بين العلماء في الاهتمام بالتعليل ) ) [2] ،إذًا فـ (( العلل قد تختلف بإختلاف واضعها، وتفسيره

للموضوع الذي يعلله، ونتيجة لهذا الإختلاف تتعدد الأحكام وتتشعب الآراء )) [3] .

3 -مرحلة الادلاء بالحجّة: إن آخر خطوة يخطوها الناقد في المنهج النقدي العام هو إثبات صحة الحكم عن طريق الادلاء بالحجة، والحجة النقدية هي المعيار الذي يستند إليه الناقد في تحديد الخطأ والحكم عليه ثم العمل على تصويبه على وفق ما تقرره معطيات المعايير النقدية. وهذه الخطوة تعدّ خاتمة العمل النقدي ومحلّها من النقد محلّ العقد من القلادة، فلا بد أن تُعقد خطوات المنهج النقدي بهذه الخطوة، كما أن إخلال خطوات العمل النقدي يكون بسببٍ منها، ولم يتعاهد النحاة أن النقد يكون بلا حجّة وإلا صار وصفًا مجردًا ليس له من النقد إلا الدعوى، وهذا ما أخذه إبن ولاّد على المبرد في المسألة السادسة بعد التسعين من مسائل (الانتصار) إذ أنكر على سيبويه عدم سماعه نسبة (برّار) من (برّ) [4] ، لكنه لم يستند في حكمة هذا إلى حجّة تعضده [5] ، فعلّق إبن ولاّد على حكمه هذا قائلًا: (( ليس في هذه المسألة غير الدعوى، وليست هاهنا حجة ) ) [6] .

إن الحديث عن معايير النقد سيكون ضمن الفقرة الرابعة من فقرات أدوات النقد النحوي بعدّها إحدى أدواته. لذا سنكتفي ها هنا باشارة يسيرة عن ترتيب خطوات المنهج النقدي.

(1) ينظر: الاقتراح: 102 -108.

(2) العلّة النحوية تأريخ وتطور: 145.

(3) العلة النحوية تأريخ وتطور: 9.

(4) ينظر: كتاب سيبويه (هارون) : 3/ 381.

(5) ينظر: الانتصار لسيبويه على المبرد: 214.

(6) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت