الصفحة 357 من 416

وتلك القواعد التي أحاطوها بهالة من القداسة [1] . جاء في (مراتب) أبى الطيب اللغوي، أن الخليل بن أحمد الفراهيدي لمّا حضرته الوفاة قال: (( وما علمت أنّي كذبت متعمدًا قط، وأرجو أن يغفر الله لي التأوّل ) ) [2] .

أما الكوفيون فكانوا أكثر اعتدالًا من البصريين، بل و (( كان اعتمادهم عليه في الاستشهاد أكثر من البصريين، وقد كانوا عند استشهادهم بآياته - كدأبهم في النصوص الأخرى - يؤثرون في أغلب الأحوال عدم التأويل والتقدير، ويأخذون بظاهر الآيات ) ) [3] .

ومهما يكن من شيء فإن لغة القرآن الكريم عدّها النحاة الحجّة التي لا تُرد، وهي مقدمة على كل ما سواها من حجج ومعايير بلا قيد ولا شرط، إلا مَنْ رأى في التأويل خلاصًا لئلا تُقام عليه الحجّة. والحق أن تطبيقات هذا المعيار في قضايا النقد النحوي بنوعيه أشهر من أن نمثِّل لها بمثال، ففي نقد الوفاق - مثلًا - بلغ عدد ما احتج به المبرِّد على سيبويه، وما احتجّ به ابن ولاّد على المبرِّد في كتاب (الانتصار) ما يقرب من (50) شاهدًا قرآنيًا [4] ، وفي (رسالة الإفصاح) بلغ عدد ما احتج به ابن الطراوة على أبي علي الفارسي ما يقرب من (40) شاهدًا من القرآن الكريم [5] . أمّا في نقد الخلاف فحدّث عن البحر ولا حرج، فقد زخر كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) - مثلا ً- بعشرات الشواهد القرآنية [6] .

وسنكتفي ها هنا بمثال واحد لشهرة الاحتجاج بهذا المعيار. من ذلك مااحتج به الكوفيون على صحة مجيء الفعل الماضي حالًا مستدلين بقوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [7] ، إذ منع البصريون ذلك حتى تكون معه (قَدْ) أو يكون وصفًا لمحذوف [8] . واستدل الكوفيون على ... ما ذهبوا إليه بالقياس المتأيّد بالنقل عن القرآن الكريم، فضلًا عن الآية المتقدمة. قالوا: (( وأما القياس فلأن كل ما جاز أن يكون حالًا للمعرفة نحو(مَرَرْتُ بالرجل قاعدًا، وبالغلام قائمًا) ، والفعل الماضي يجوز أن يكون صفة للنكرة نحو (مَرَرْتُ برجلٍ قَعَدَ، وغلامٍ قامَ) فينبغي أن يجوز أن يقع حالًا للمعرفة نحو (مَرَرْتُ بالرجلِ قَعَدَ، وبالغلامِ قامَ) وما أشبه ذلك. والذي يدل على ذلك أنّا أجمعنا على أنه يجوز أن

(1) ينظر: الكامل في اللغة والأدب: 1/ 25.

(2) مراتب النحويين: 30، ولعله أراد بالتأوّل: التأوّل في الدين، لأنه كان يرى رأي الخوارج الأباضيين، ثم رجع إلى مذهب أهل الحق، أنظر ترجمته.

(3) الشواهد والاستشهاد في النحو: 211.

(4) ينظر: فهرست الشواهد القرآنية في كتاب (الانتصار) : 275 - 277.

(5) ينظر: فهرست الشواهد القرآنية في (رسالة الإفصاح) : 149 - 151.

(6) تنظر - على سبيل المثال - المسائل: 10،11،13،14،18،19،32،33،35،54،64،76،71،77، 78،84،88، 89، 90،94، 97،99، 107،113.

(7) النساء: من الآية: 90.

(8) الإنصاف: المسألة (32) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت