فهرس الكتاب
الذي وضع كتاب (المحتسب) لتبيين وجوه شواذ القراءات [1] ، وابن خالويه الذي وضع كتبًا عديدة في القراءات وهو ينصّ على أن (( القراءة سنّة يأخذها آخر عن أول ولا تحمل على قياس العربية ) ) [2] ، ومع ذلك كان يُلحِّن بعض القرّاء في قراءاتهم [3] . بعد هذا علينا أن نبحث في مقاييس القراءة الحجّة، مَنْ يعدّها حجّة؟ ومتى؟.
أما مَنْ يعدها حجّة؛ فقد اختلف المحدثون حول ذلك، فمنهم مَنْ ذهب إلى أن الكوفيين كانوا
يعتدون بالقراءات كالدكتور مهدي المخزومي وألقى بلائمة تخطيء القرّاء وتلحينهم على البصريين، وقد ذهب إلى أن (( القراءات مصدر هام من مصادر النحو الكوفي، ولكن البصريين كانوا قد وقفوا منها موقفهم من سائر النصوص اللغوية، أخضعوها لأصولهم وأقيستهم، فما وافق منها أصولهم ولو بالتأويل، قبلوه، وما أباها رفضوا الاحتجاج به، ووصفوه بالشذوذ، كما رفضوا الاحتجاج بكثير من الروايات اللغوية، وعدّوها شاذة تُحفظ ولا يُقاس عليها ) ) [4] ، ثم عضد رأيه هذا ببعض الأمثلة التي طعن فيها البصريون على قراءات القرّاء السبعة وقراءات غيرهم [5] . وكان يحرص عقب كل مثال يأتي به على أن يقرر أن (( الكوفيين كانوا يجيزونها، ويحتجون بها ) ) [6] ، وانتهى إلى القول: (( الكوفيون لهم موقف آخر يغاير موقف البصريين من القراءات كل المغايرة. فقد قبلوها، واحتجوا بها، وعقدوا على ما جاء فيها كثيرًا من أصولهم وأحكامهم، وهم إذا رجّحوا القراءات التي يجتمع القراء عليها، فلا يرفضون غيرها، ولا يغلطونها، لأنها صواب عندهم أيضًا ) ) [7] . وللدكتور المخزومي الحق فيما ذهب إليه من أن الكوفيين أكثروا من الاحتجاج بالقراءات القرآنية، لكنهم كانوا لا يقبلون من القراءات إلا ما وجد له نظير من كلام العرب، والأمثلة التي تقدم بها الدكتور مهدي المخزومي تؤيد ذلك.
وذهب بعضهم الآخر كالدكتورة خديجة الحديثي إلى أن الكوفيين هم مَنْ سبق بالطعن على النحاة، ثم تبعهم البصريون الذين جاءوا بعد سيبويه في ذلك، وقد ألقت بلائمة هذه الجريرة على الكسائي وتلميذه الفراء مبرأةً سيبويه وشيخه الخليل منها، وإن كان قد صدر منهما - أي سيبويه والخليل - شيء من ذلك فإنما فعلوه بـ (( فضل أدب ) ) [8] ، ولم يصرِّحوا بالطعن على أيٍّ من القراءات كما فعل الفراء ذلك صراحة هو وشيخه الكسائي. قالت: (( أما الذين صرّحوا بالتخطئة ونسبوا إلى القراء اللحن وإلى
(1) ينظر: البحث اللغوي عند العرب: 31 - 32.
(2) إعراب ثلاثين سورة من القران الكريم: 53، وانظر: 35.
(3) ينظر: المصدر نفسه: 60.
(4) مدرسة الكوفة: 337، وانظر: نحو القراء الكوفيين: 67 - 68.
(5) ينظر: المصدر نفسه: 337 وما بعدها.
(6) المصدر نفسه: 337 وينظر: 338 - 340،
(7) المصدر نفسه: 341.
(8) ينظر: المدارس النحوية (للحديثي) : 178.