فهرس الكتاب
القراءات الخروج عن العربية، في الحقيقة فهم شيخا المدرسة الكوفية الكسائي والفراء، وقد عدتُ إلى (معاني القران) الذي كان المفترض في مؤلفه أن يتحرج من التخطئة والعيب على القراء ونسبة الوهم إليهم في كثير من هذه المسائل فوجدته هو وشيخه أول الرادين على القراءات ولا سيما التي نسب فيها القدماء هذه التهمة إلى البصريين وألصقوها بهم، وهما اللذان فتحا للنحاة المتأخرين عنهما من كوفيين وبصريين باب هذا الطعن )) [1] . لكن الحق الذي لا مراء فيه هو ما ذهب إليه الدكتور أحمد مختار عمر بقوله: (( اتضح لنا بعد طول البحث والاستقصاء أن موقف النحويين من القراءات موقف موحّد لا يختلف فيه كوفي عن بصري، ولا يشذ فيه ابن خالويه أو ابن جنّي أو غيرهما عنهم. فهم جميعًا كانوا ينقدون القراءة ويقيسونها بمقاييسهم النحوية، وهو جميعًا كانوا لا يتحرجون عن تخطئة القراءة أو تلحينها إذا عجزوا عن فهمها أو توجيهها،
لا فرق في ذلك بين من اشتغل بالقراءة إلى جانب النحو أو تخصص للدرس النحوي )) [2] . وقد قدم طائفة من الشواهد التي لا يسع لأحد جهلها أو إنكارها [3] . والسؤال هنا هو: ما هي المقاييس المعتمدة في القراءة الحجّة؟ أو متى تكون القراءة حجّة، متواترةً كانت أم شاذة؟.
إن القراءة الصحيحة هي التي حدّها إبن الجزري بقوله: (( كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصحّ سنادها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردّها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القران ووجب على الناس قبولها سواء كانت على الائمة السبعة أم العشرة أم غيرهم من الائمة المقبولين. ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أُطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم. هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف ) ) [4] . ونصّ في غير هذا الموضع على أن (( أئمة القرّاء، لا تعمل في شيء من حروف القران على الافشى في اللغة والاقيس في العربية. بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردّها قياس عربية ولا فشو لغة، لأن القراءة سنّة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها ) ) [5] ، وبين هذين النصين ملحظ مشترك هو في الحقيقة يعدّ نقطة التقاء منهج النحاة بمنهج القرّاء، وهو التأكيد على أن قبول القراءة وردها أول ما يحتكم إلى صحّة الرواية، فالقراءة القرآنية لا تؤخذ قراءة بالاعتماد على رسمها؛ إنما تؤخذ مشافهة عن القراء بالاعتماد على النقل والرواية، فالقراءة الصحيحة ما ثبتت روايةً لا رسمًا. قال الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي: (( إن
(1) المصدر نفسه: 178.
(2) البحث اللغوي عند العرب: 30 - 32.
(3) ينظر: المصدر نفسه: 31 - 32.
(4) النشر: 1/ 9.
(5) المصدر نفسه: 1/ 10.