فهرس الكتاب
القراءة سنّة، فما خالف منها ظاهر الخط فلا سبيل إلا إلى القراءة به مرجّحين جانب النقل والرواية، وما وافق منها الرسم فذلك نور على نور )) [1] . فالرسم ليس إلا مقياسًا وقائيًا يمنع مالا يدخل في نطاقه مما لم يصح من الروايات، فهو يعدّ المصفاة الأولى التي تمرّ بها الحروف، فما وافقه منها نُظر إلى سنده، فما صحّ منه سندًا نُظر في موافقته للعربية [2] . إذًا فمعتمد النحاة في صحة القراءة هو (( صحة الرواية عن القارئ العدل حتى لو كان فردًا وسواء رويت القراءة بطريق التواتر أو الآحاد، وسواء كانت سبعية أو عشرية أو شاذة ) ) [3] ، يدلك على ذلك قول إبن جنّي في كتابه (المحتسب) وقد كان حريصًا على أن يضع القراءة الشاذة على قدم المساواة مع القراءة السبعية ويقول فيها: (( إنه نازع بالثقة إلى قرّائه، محفوظ بالرواية من أمامه وورائه. ولعله أو كثيرًا منه مساوٍ في الفصاحة للمُجتمع عليه ) ) [4] . أما شروط موافقة القراءة لأحد المصاحف فذهب الدكتور أحمد مختار عمر إلى أن هذا الشرط لا يتقيد به النحوي بل هو يرى في هذا الشرط حدًّا من فائدة تعدد القراءات وإضاعة للحكمة من تشريعها، وهي التخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بها [5] كما تقدم كذلك رأى الدكتور أحمد مختار عمر في الشرط الآخر وهو موافقة العربية ولو بوجه أن لا ضرورة تدعو إليه، لأنه أمرٌ متحقق لا محالة حين يتحقق شرط الرواية [6] ، وإلا ما الحكمة من الاستشهاد بالقراءة القرآنية إن كان لها وجه من العربية يعضدها؟. وقد قال ابن الجزري تعقيبًا على هذا الضابط: (( وقولنا في الضابط •ولو بوجه) نريد به وجهًا من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحًا، مُجمعًا عليه أم مُختلفًا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح .. )) [7] وحين أراد ابن الجزري أن يمثِّل لما نقله الثقة ولا وجه له في العربية لم يجد ما يمثِّل به إلا ما كان من قبيل السهو والخطأ، فعقّب بقوله: (( وهو قليل جدًا بل لا يكاد يوجد ) ) [8] .
من هذا نفهم أن تخطيء النحاة للقراءة القرآنية لم يكن المقصود منه القراءة نفسها، إنما المراد به الرواية التي جاءت عن طريقها تلك القراءة، وبما أن ضعف الرواية يؤدي إلى اللحن أو الغلط في القراءة، فإن تقويم هذا اللحن والغلط يُراد به تصحيح الرواية لا تصحيح القراءة، وإن كان تصحيح الرواية يؤدي أخيرًا إلى تصحيح القراءة لكن الفرق بينهما بلا شك كبير، فإن تصحيح القراءة يعني
(1) رسم المصحف والاحتجاج به في القراءات: 65.
(2) ينظر: الاحتجاج النحوي بالقراءات القرآنية من القرن الرابع الهجري إلى القرن السابع الهجري (رسالة) : 10.
(3) البحث اللغوي عند العرب: 21.
(4) المحتسب: 1/ 1.
(5) ينظر: البحث اللغوي عند العرب: 21.
(6) ينظر: المصدر نفسه: 23.
(7) النشر: 1/ 10.
(8) المصدر نفسه: 1/ 10، 16.