فهرس الكتاب
تصحيح كلام الله تعالى المنزّل، وهذا كفر بواح، أما تصحيح الرواية فيعني تصحيح النقل، وهذا مستساغ مع ما فيه من طعن على كبار الصحابة والتابعين المشهود لهم بالوثاقة والعدل والأمانة، وبالتالي يتنافى مع الإرادة الإلهية التي تعهدت بحفظ القرآن الكريم، ولا يشك أحد أن الذين حفظوا القرآن الكريم بلغة قريش وصار مصحفًا إمامًا، هم الذين حفظوا القرآن بقراءاته الأخرى التي نزل بها وما انتهى إلى علم أحدهم أنه سيُجمع على لغة قريش حتى قضى الله (تعالى) ذلك. إذًا فتقويم اللحن المزعوم والغلط الموهوم في القراءات يُراد به تصحيح الرواية، وإلا بمَ تفسّر موقف ابن خالويه الذي يؤمن بأن (( القراءة سنّة يأخذها آخر عن أول ولا تحمل على قياس العربية ) ) [1] ، ثم يقوم هو نفسه بتخطيء قراءة من قرأ: (( معائش ) )بالهمز [2] . قال الفراء: (( القرّاء لاتقرأ بكل مايجوز في العربية، فلا
يقبحنّ عندك تشنيع مشنِّع مما لم يقرأه القرّاء مما يجوز )) [3] . إذ ليس مخالفة القراءة لوجه من وجوه العربية مما يشكل مطعنًا عليها؛ إنما مخالفة الرواية التي تحمل بها تلك القراءة لذلك الوجه.
إن القارئ إذا أخطأ في القراءة ووهم فيها أو لحن كما يذهب النحاة؛ يعني أنه أخلّ بروايتها، فتصحيح الرواية ينبني على تصحيح ذلك الخطأ وتصويب ذلك اللحن، ولكن ما هو المقياس لتصحيح هذا الخطأ وهذا اللحن؟ وكيف يعلم النحاة أن القراءة دخلت حدود الخطأ؟ أو كيف يعلم النحاة أن الرواية ضعفت؟. فات الدكتور أحمد مختار عمر أن مقياس (الرواية الصحيحة) هي الشروط التي عقدها ابن الجزري للقراءة الصحيحة نفسها؛ وإن كان النحاة قد سبقوه إلى العمل بها، وهي موافقة النص المروي لخط المصحف، وموافقة العربية ولو بوجه، فضلًا عن صحة سندها وثبوت روايتها. وهنا ينبغي التفريق بين مقياس القراءة ومقياس الرواية. أما مقياس القراءة فهو - كما تقدم - صحة روايتها، وأما مقياس الرواية فموافقتها خط المصحف العثماني ولو احتمالًا، وموافقتها العربية ولو بوجه، فإذا أخطأ القارئ في حرف أو لفظة أو جملة وكُتبت قراءته فإنها ستخالف خط المصحف، وإنْ نُطقت فأنها ستخالف العربية، ولا يُشترط اجتماعها في القراءة الضعيفة، فربما ضعفت القراءة لأنها خالفت رسم المصحف فقط، أو لأنها خالفت العربية فقط، إذًا فخط المصحف والعربية هما مقياس الرواية عند النحاة، وبهما يُستدل على ضعف القراءة، فالرواية إذا ضعفت ضعفت القراءة. والحق إن مقاييس النحاة لا تصلح لتقويم القراءة القرآنية أو تقويم روايتها، ومن أين للنحاة أن يقوّموا القراءة القرآنية أو يقوّموا روايتها!؟. لقد دفعت هذه المقاييس بالنحاة إلى ما لا تحمد عقباه، فأول ذلك أنهم ظنوا ظنًا يقرب من اليقين أو هو كذلك أن القراءة التي حُملت روايةً خلقًا عن خلق لا يصح تواطؤهم على الكذب عن رسول الله (صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم) يقع الخطأ في روايتها واللحن في قراءتها، ثم ظنوا أن
(1) (( إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم: 53.
(2) ينظر: المصدر نفسه: 60.
(3) معاني القرآن (للفراء) : 1/ 245.