الصفحة 363 من 416

باستطاعتهم تقويم هذه القراءات الملحونة وتقويم روايتها، مع أنهم لم يتفقوا حتى على هذه المقاييس. أما الخط فقد اختلفوا في الاحتجاج به، فبين آخذ به كسيبويه والفراء والزجاج والرماني وابن خالويه [1] ؛ وبين مانع له كأبي علي الفارسي [2] . وأما العربية فالشقّة فيها أوسع، لأنها ترتبط بمنهج المذهب. قال أبو جعفر النحاس: (( واحد الأنَاء إنْيٌ

لا يعرف البصريون غيره. وحكى الفراء في واحد الآناء انىً .. وللفراء في هذا الباب في كتاب (( المقصور والممدود) أشياء قد جاء بها .. قد أُنكرة علية، ورواها الأصمعي، وابن السكيت، والمتقنون من أهل اللغة على خلاف ما روى. والذي يقال في هذا أنه مأمون على ما رواه، غير أن سماع الكوفيين أكثره عن غير الفصحاء )) [3] . من هذا نفهم أن (( الاحتجاج بالقراءات المتواترة غير المخالفة للقياس سار عليه البصريون كما سار عليه الكوفيون. أما الاحتجاج بالقراءات الشاذة والقياس عليها واعتبارها أصلًا من أصول الاستشهاد فهو ليس من منهج البصريين، لأنهم لم يكونوا يعتبرون القراءات حجّة إلا ما كان موافقًا لقواعدهم وأقيستهم وأصولهم المقررة، فإن خالفتها ردوها. في حين كانت القراءات مصدرًا من مصادر النحو الكوفي .. فالكوفيون يأخذون بالقراءات السبع وبغيرها من القراءات يحتجون بها فيما له نظير من العربية ويجيزون ما ورد فيها مما خالف الوارد عن العرب، ويقيسون عليها فيجعلونها أصلًا من أصولهم التي يبنون عليها القواعد والأحكام ) ) [4] .

ومهما يكن من شيء كانت القراءات القرآنية معيارًا في قضايا النقد النحوي بنوعيه، بل إنها من أشهر المعايير النقدية المتبعة من قبل المذهبين، لذا سنكتفي ها هنا بمثالٍ واحد لما نحن فيه، فمما وقع الاحتجاج به في النقد النحوي ما احتج به الكوفيون في المسألة (60) من مسائل (الإنصاف) - وهي في جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف وحرف الخفض لضرورة الشعر- بقراءة ابن عامر اليحصبي العربي المحض: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [5] ، ينصب (أولاَدَهمْ) وجرّ (شركائِهم) وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله: (أولادهم) ، والتقدير فيه: قَتْلُ شرَكائِهم أولاَدَهم. وقد أسندوا هذه القراءة بكثير مما ورد في لغة العرب من نثر وشعر فُصل فيه بين المضاف والمضاف إليه [6] ، ومنع البصريون ذلك بحجة أن هذه القراءة لا يقول الكوفيون بموجبها (( لأن الإجماع واقع على امتناع الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول في غير ضرورة

(1) ينظر: رسم المصحف والاحتجاج به في القراءات: 55 - 61، وانظر: رسم المصحف العثماني وأوهام المنستشرقين في قراءات القران الكريم: 63 - 70.

(2) ينظر: المصدران أنفسهما: 61، 67.

(3) إعراب القران (للنحاس) : 2/ 362.

(4) الشاهد وأصول النحو: 47، وانظر: مدرسة الكوفة: 337 وما بعدها.

(5) الأنعام: من الآية: 137.

(6) ينظر: الإنصاف: 2/ 427 - 431.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت