فهرس الكتاب
ـ وقسمٌ آخر منع الاحتجاج به، وهم كافة النحاة سوى مَنْ ذكرنا ومَنْ سنذكر، وقد جُعل على رأس المانعين إبن الضائع وتلميذة أبو حيان الأندلسي.
ـ وقسمٌ ثالث توسط هذين القسمين، إذ يرون صحة الاستشهاد بما ثبت لفظه عنه (صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم) أمّا ما لم يثبت لفظه فدون ذلك، وهو مذهب السيوطي والشاطي.
لكن البحث أثبت أن هذا التقسيم لا يقوم على أساس سليم فتناول القضية بهذه الكيفية فيه إجحاف بحق طائفة كبيرة من النحاة أخصّ الطائفة الثانية منهم، لذا بات من الأهمية بمكان إعادة النظر في هذا التصنيف، والصحيح أن النحاة إحتجوا بالحديث الشريف بلا استثناء [1] ، ولكن أقلَّ
أكثرهم وأكثرَ أقلّهم، أما الذين أقلّوا من الاحتجاج بالحديث الشريف وهم جلّ علماء النحو فيستندون في ذلك على منهج بان منه للباحثين شيء وخفي منه عليهم أشياء، لتبقى قضية عزوف النحاة عن الاحتجاج بالحديث الشريف في حكم الغيب، وإنما رجم من رجم ولم يأت أحدهم بطائل، فلست أُسلّم أنهم أحجموا عن الاحتجاج به لأن كثيرًا من رواته كانوا من الأعاجم [2] . فكثيرٌ منهم ليس أغلبهم، وأغلبهم ليس جميعهم. أو أنه روي بالمعنى وخشي وقوع اللحن فيه [3] ، فهذا ضرب من الرواية على فرض وقوعه كان مقصورًا بعد عصر التدوين على العالم بالنحو والصرف والعارف بمدلولات الألفاظ ومقاصدها، والقادر على أداء الحديث خاليًا من اللحن فان النبي (صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم) لم يكن يلحن،، والعلماء يعرفون أن من روى عنه شيئًا ولحن فيه كذب عليه وتبوأ مقعده من النار [4] . ومهما يكن من شيء فإن هذين التخريجين لم ينصّ عليهما أحد من متقدمي علماء النحو، إنما هو تفسير بعض المتأخرين، وبالتحديد إبن الضائع وأبي حيان الأندلسي، إذ لم يجدا نصًا مستقلًا يعدّ الحديث من مصادر اللغة فتأوّلا موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث الشريف بما تأوّلاه، أما النحاة الذين يُنسب إليهم رفضهم الاستشهاد بالحديث الشريف من عهد أبي عمرو بن العلاء والخليل ومن تلاهم حتى القرون اللاحقة لم يثيروا هذه المسألة ولم يناقشوا مبدأ الاحتجاج بالحديث أصلًا. ولنا أن نسأل: كيف تسنى لعلماء القرن السابع أو الثامن الهجريين منع علماء القرون المتقدمة عن شيء كانوا عنه في حكم الغيب بحوالي ستة قرون أو تزيد!؟ وما بالنا نجعلهم على رأس المانعين!؟ بل كيف نحمل القدماء جريرة إقترفها المتأخرون!؟ هذا إن كان المتأخرون اقترفوها فعلًا، أو عمل بها المتقدمون فعلًا.
أما الذين أكثروا من الاحتجاج بالحديث الشريف على الإطلاق، فقد وقعوا فيما تحرزّ منه إبن الضائع وأبو حيان، فقد إحتج بعضهم بأحاديث لم يتثّبت في نقلها، كالذي وجدناه لدى إبن الطراوة الذي
(1) ينظر: موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث الشريف: 78 وما بعدها، 189 وما بعدها، والبحث اللغوي عند العرب: 39.
(2) ينظر: خزانة الأدب: 1/ 9.
(3) المصدر نفسه.
(4) ينظر: علوم الحديث ومصطلحه: 360.