فهرس الكتاب
كان سبب إثارة هذه القضية، إذ كان لا يتحرج من وثاقه الحديث الذي يحتج به، وهنا لابدّ من التنبيه على أن ضعف حجّة الحديث بعدّه أحد مصادر اللغة لا يقتصر على روايته بالمعنى أو احتمال وقوع اللحن في ألفاظه، فقد يكون الحديث موضوعًا أو قد يُزاد في نصّ الحديث بما ليس منه وما إلى ذلك من وجوه التزّيد المقصود وغير المقصود، ولا بد للمستدل وهذه الحالة من التثبّت الكامل من أوضاع الحديث المحتج به وأوضاع ناقله، ومما جاء من هذا القبيل ما استدل به إبن الطراوة على صحّة إضافة الموصوف إلى صفته عند أمن اللبس بما نسبه إلى الرسول الكريم محمد (صلى الله تعالى عليه وإلى آله وصحبه وسلم) أنه قال: (( يا نساء المؤمنات ) ) [1] ، محتجًا به على أبي علي الفارسي الذي منع ذلك تبعًا لجمهور البصريين [2] ، وقد نسب إبن مالك في (شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح) الحديث إلى أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها وعن أبيها) ، ونصّه: (( كنّ نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) صلاة الفجر )) [3] ، و الامام البخاري يؤيد إبن مالك في ذلك [4] ، كما احتج في غيره بحديث محرّف على جواز الاخبار عن خبر كان، وقد اعترض إبن الضائع على احتجاجه بهذا الحديث في كتابه (شرح الجمل الكبير) ، فكان هذا الاحتجاج وما اعترض عليه به سبب إثارة قضية الاحتجاج بالحديث الشريف، بل سبب تصنيف النحاة على ثلاثة أقسام من قبل عبد القادر البغدادي. قال إبن الضائع تعقيبًا على احتجاج إبن الطراوة بهذا الحديث: (( وزعم إبن الطراوة أن الصحيح ما ذكر في أول الكتاب هو الأفصح. قال - إبن الطراوة - والدليل على ذلك قوله(صلى الله عليه وسلم) : (( كن أبا خَيْثَمة فَكانَه ) )قال الأستاذ أبو علي [الشلوبين] رحمة الله: هذا تكذيب للعلماء، ومع أحتمال مثل هذا لا تبقى ثقة بجميع ما يقولون ومبنى هذا الغلط الذي أنبني عليه هذا التكذيب طنه أن (( فكانه ) )من كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) وانما المروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) : (( كن أبا خَيْثَمه ) )قال الراوي: فكانه. وهذا لا يخفى على من كان له مسكة نظر. قلت: ولو كان مرويًا في متن الحديث لم يصح أنه من كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قد تبين في أصول الفقه أنه يجوز نقل الحديث بالمعنى وعليه حذاق العلماء. وهذا هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب، فلولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان أولى في إثبات فصيح اللغة حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه من المقطوع به أنه (صلى الله عليه وسلم) أفصح العرب. وإبن خروف يستشهد بالحديث كثيرًا فأن كان على معنى الاستظهار والتبرك بما روي عنه (صلى الله عليه وسلم) فحسن، وإنْ كان يرى أن مَنْ قبله أغفل شيئًا وجب عليه إستدراكه فليس كما
(1) ينظر: رسالة الإفصاح: 93.
(2) ينظر: الإيضاح: 272، والإنصاف: مسالة (61) .
(3) ينظر: شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح: 246.
(4) ينظر: صحيح البخاري: 1/ 143.