الصفحة 368 من 416

من قبل الطرفين. فهما إنْ إتفقا على الضابط الزماني الذي يقضي بتحديد مدة السماع عن عرب الأمصار حتى نهاية القرن الثاني الهجري، وعن عرب البادية حتى نهاية القرن الرابع الهجري، فقد اختلفوا في الضابط المكاني الذي يقضي بتحديد القبائل المأخوذ عنها [1] . أما البصريون فقد قصروا سماعهم على قبائل محدودة، هي: قيس وتميم وأسد وهُذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين [2] .

إذًا فمعتمد الضابط المكاني عند البصريين النوع لا الكم، وكان مستند هذا الضابط هو فكرة الانعزال، لذا إقتصر أخذهم عن القبائل المتبدية الموغلة في كبد الصحراء، لـ (( ما وقر في نفوسهم، من أن الحضارة تنسخ سليقة البدوي، وتدخل الضيم على لسانه، وتجلب الفساد للغته، بسبب من يقطنها أو يفد عليها من الأعاجم ) ) [3] . و (( كلما كانت القبيلة بدوية أو أقرب إلى حياة البداوة كانت لغتها أفصح، والثقة فيها أكبر، وكلما كانت متحضرة، أو أقرب إلى حياة الحضارة كانت لغتها محل شك ومثار شبهة، ولذلك تجنبوا الأخذ عنها وفكرتهم في ذلك - كما قلنا- أن الانعزال في كبد الصحراء، وعدم الأتصال بالأجناس الأجنبية يحفظ للغة نقاوتها ويصونها عن أي مؤثر خارجي، وإن الاختلاط يُفسد اللغة وينحرف بالألسنة ) ) [4] ، ولكن ليس كل اختلاط، فاختلاط القبائل العربية بعضها بالبعض الآخر قد لا يحط من مكانتها في الاحتجاج إلم يكن سببًا وجيهًا للاعتداد بها وتفضيلها على غيرها؛ كلغة قريش، فقد (( كانت قريش ذات أثر كبير في تهذيب لغة الأدب، وتنقيتها من مستقبح اللهجات، ومستبشع الألفاظ والتراكيب. فقد كانت مكة - موطن قريش - ملتقى القبائل، ومهوى أفئدة العرب، يأتون إليها ليطوفون بالكعبة، ويؤدوا .. فريضة الحج، وكانت قريش تسمع لغاتهم، وتصغي لما يتناشدونه من شعر فتستقبح بعض لهجاتهم، وتستنكر شيئًا من عاداتهم الكلامية، وكما تستحسن لهجات أخرى وتستحلي ألفاظًا وأساليب، فتأخذها وتضمها إلى لغتها ) ) [5] .

أما إختلاط القبائل العربية بغيرها من الأمم الأخرى فأمر غير محمود لأنه يحط من قيمتها ويخرجها عن دائرة الاحتجاج، فانه لم يُؤخذ من لخم ولا جذام أو قضاعة وغسان وأياد، ولا من تغلب واليمن أو أزد عمان، ولا من بكر وعبد القيس، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف وحاضرة الحجاز؛ لأنهم كانوا مجاورين لسائر الأمم ممن حولهم، وفيها من سكنت الحواضر [6] .

(1) ينظر: البحث اللغوي عند العرب: 50، والنقد اللغوي عند العرب: 37.

(2) ينظر: المزهر: 1/ 212

(3) النقد اللغوي عند العرب: 39.

(4) المصدر نفسه: 50 - 51.

(5) النقد اللغوي عند العرب: 25.

(6) ينظر: المزهر: 1/ 211 - 212.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت