الصفحة 369 من 416

أما الكوفيين فلم يتقيدوا بفكرة الانعزال ولا قصروا سماعهم على العرب البداة، وبالتالي لم يقيدوا سماعهم بنوع، ولا وقفوه على قبيلة بعينها، فقد أخذوا عن القبائل التي ترفّع البصريون من الأخذ عنها كأعراب سواد الكوفة من تميم وأسد، وأعراب سواد بغداد من الحطميّة [1] ، وكان من الطبيعي جدًا أن يتراشق الطرفان بسبب ذلك تهمًا خطيرة، قال أبو جعفر النحاس: (( إن سماع الكوفيين أكثره عن غير الفصحاء ) ) [2] .

لم تكن هذه اللهجات أو هذه اللغات داعٍ من دواعي النقد أو موضوعًا من موضوعاته وحسب؛ بل كانت هي نفسها معيارًا معتمدًا في هذا النقد المتبادل الذي تقدم التنبيه على عدم جدواه، لأنه يجعل الخصم خصمًا وحكمًا، فضلًا عن أنه يحكم عليه بخلاف أصوله ويقرر له ما لا يقرّه على مذهبه، والمناظرة الزنبورية شاهدنا على ذلك.

ويدخل في الاحتجاج بلغات القبائل (بيئات الفصاحة) الاحتجاج بأقوال فصحائها، أو قل فصحاء العرب ممن شُهر بالفصاحة والبراعة والبيان، والضابط في قبول لغة هؤلاء الفصحاء والاحتجاج بها هو الضابط نفسه لقبول لغات قبائلهم والأخذ بها فمرد الأمر الوثوق من سلامة لغة المحتج به وعدم تطرق الفساد إليها، وكان هذا معتمد النحاة في الضابطين الزماني والمكاني [3] . كما تقدم. ولا فرق في ذلك بين من سكن المدن أو قطن البوادي، وإن قدّم النحاة أعراب البادية على أعراب الحواضر في مسائل الحجاج النحوي مع تقادم الزمن كما رأينا.

يقف على رأس الفصحاء المحتج بكلامهم عرب الجاهلية الذين لم يدركوا الإسلام كالزباء (ت 358هـ) ، ثم من كأن منهم في الإسلام، ويقف على رأس هؤلاء آل بيت النبي الكريم محمد (صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم) كالأمام علي بن أبي طالب (ت 40هـ) (كرم الله وجهه الشريف) وكان سيّد البلغاء، وكانت أم المؤمنين عائشة (ت 58هـ) (رضي الله عنها وعن أبيها) تعّد من فصيحات العرب [4] . ومن صحابته (صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم) عمر بن الخطاب (ت 23هـ) (رضي الله عنه) . وكان من الفصحاء المفوّهين، فإذا قيل: (( أيّ منزلة عندكم عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) في الفصاحة؟ ))قيل: (( فوق كل منزلة ) ) [5] ، فقد تخرج هؤلاء الكرام في مدرسة النبي الكريم محمد (صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم) وكان نفسه (صلى الله عليه وسلم) لا يقرّ اللحن ويأمر باجتنابه والأحاديث في ذلك مشهورة.

(1) ينظر: مدرسة الكوفة: 331.

(2) إعراب القران (للنحاس) : 2/ 362.

(3) ينظر: في أصول النحو: 24.

(4) إحتجّ إبن السِّيْد بكلامها (رضي الله عنها) في كتاب (الحلل) رادًا به على الزجاجي في موضع واحد. ينظر: 122.

(5) طبقات النحويين واللغويين: 272.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت