فهرس الكتاب
وعُرف من التابعين الحسن البصري والشعبي [1] (رحمهما الله تعالى) بفصاحتهما، كما عُرف في عهد التابعين بعض الولاة كعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف [2] ، وعدّوا من الفصحاء المحتج بكلامهم. قال أبو القاسم الزجاجي فيما رواه عن الأصمعي من طريق إبن دريد: (( أربعة لم يلحنوا في جدّ ولا هزل: الشعبي، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وابن القرّيّة. والحجاج أفصحهم ) ) [3] . وكان في خلال هذه القرون أعراب يفدون إلى حواضر المدن جعلهم النحاة حُكامًا في لقاءات جدلية كثيرة، واحتجوا بفصاحتهم، كأبي المهدي، والمنتجع التميمي، وقد احتكم إليهما أبو عمرو ابن العلاء وعيسى بن عمر في مسألة (ليس الطيب إلا المسك) [4] ، وأبي المطوّق؛ وقد جعلوه حكمًا على مناظرة اليزيدي للكسائي [5] ، وأبو فقعس، وأبو دثار، وأبو الجرّاح، وأبو ثروان؛ وقد حكّموهم في مناظرة الكسائي لسيبويه [6] .
ثانيًا: الكلام الفصيح: إن النحاة لم يكثروا من الاحتجاج بألوان النثر غير الأمثال، وذلك لـ (( اعتمادهم الزائد على الشعر دون النثر في الاستشهاد به في تقعيد القواعد ) ) [7] ، وإنما انفردت الأمثال بهذه المزية لسرعة سريانها على الألسن، ولإيجازعباراتها وتضمنها الحكمة والموعظة والعبرة وعمق التجربة، وقد كانت العرب تعارض كلامها بها، فتبلغ ما حاولت من حاجتها بكناية غير تصريح، فيجتمع لها بذلك خلال عدّة: إيجاز في اللفظ، وإصابة في المعنى، وحسن في التشبيه وجودة في الكناية [8] ، فللأمثال معنى ظاهر يتعلّق بمناسبة النصّ وآخر خفي يحمل العبرة والحكمة والموعظة التي تطّرد في غيرها من المواقف المماثلة، لتشاكل المواقف وحصول الفائدة من المعنى الذي تنطوي عليه فكرة المثل. قال الزمخشري: (( هي قصارى فصاحة العرب العرباء، وبلاغتها، التي أعربت بها القرائح السليمة ... حيث أوجزت اللفظ، فأشبعت المعنى، وقصرت العبارة، فأطالت المغزى، ولوّحت فأغرقت في التصريح، وكنّت فأغنت عن الإفصاح ) ) [9] ، فالأمثال تميل إلى الصنعة اللفظية وإقامة نوع من الجناس بين ألفاظها ما جعلها مقدمة على سائر النصوص النثرية في قضايا الحجاج النحوي، فضلًا عن قلّة تأثرها بعوامل التصحيف والتحريف، أو تزييف الروايات وتغيرها كما هو في الشعر، ((
(1) ينظر: معجم الادباء:
(2) احتج ابن الطراوة بكلام الحجاج على أبي علي الفارسي في (رسالة الإفصاح) في موضع واحد. ينظر: 31.
(3) أخبار أبي القاسم الزجاجي: 70.
(4) ينظر: ملك النحاة حياته وشعره: 110 - 111.
(5) ينظر: أخبار أبي القاسم الزجاجي: 79.
(6) ينظر: مجالس العلماء للزجاجي: المجلس الرابع، والإنصاف: مسألة (99) ، ومعجم الأدباء: 13/ 187، 16/ 121.
(7) الشواهد والاستشهاد في النحو: 131.
(8) ينظر: المزهر: 1/ 486، والشواهد والاستشهاد في النحو: 31.
(9) المستقصى في أمثال العرب: المقدمة (ب ـ ج) .