فهرس الكتاب
فهي النموذج النثري الوحيد الذي اطمأنوا إليه في صحة الاستشهاد، ويمكن عدّها من بقايا أقدم النثر العربي، لما يبدوا من أن بعضها كان سائرًا مشهورًا في الجاهلية. وتعتبر من آداب العربية الهامّة لأنها تجري على ألسنتهم مجرى الشعر )) [1] ، وكان للنقد النحوي نصيبه الوافر منها، إذ هي أحد معاييره [2] .
ب ـ المنظوم (الشعر) : عدّ النحاة الشعر الدعامة الأولى في الاحتجاج النحوي، (( حتى لقد تخصصت كلمة الشاهد فيما بعد وأصبحت مقصورة على الشعر فقط. ولذلك نجد كتب الشواهد ... لا تحتوي غير الشعر ولا تهتم بما عداه ) ) [3] . إن الذي حدى بالنحاة إلى الاعتداد بهذه الحجة وتقديمها على سائر النصوص اللغوية إلى حدّ خرجت معه عن الحصر هو لمنزلته العظيمة في نفوس العرب قبل وبعد الإسلام. كانوا ينشدونه ويحفظونه ويدونوه، فهو (( أكبر علوم العرب وأوفر حظوظ الأدب وأحرى أن تُقبل شهادته، وتُمتثل إرادته .. ) ) [4] ، يقابل هذا السيل الزاخر من النصوص الشعرية قلّة النصوص النثرية التي وقف عليها النحاة من العصر الجاهلي، وهو على قلته لا تطمئن النفس إلى كثير منه، في حين كان العلماء ينظرون إلى الشعر والشعراء المعتدّ بهم نظرة هي أقرب إلى التقديس، فضلًا عن ذلك سهولة حفظه وسهولة إظهاره، خلافًا للكلام المنثور الذي لا يتقيد بقوالب معينه أو أوزان مخصوصة [5] . وقد قسّم النحاة الشعراء المحتج بهم على ثلاث طبقات، هي [6] :
الطبقة الأولى: الجاهليون، وهم الذين لم يدركوا الإسلام، كامرئ القيس والأعشى.
الطبقة الثانية: المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، كلبيد وحسان.
الطبقة الثالثة: المتقدمون ويُقال لهم الإسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق
وخُتم الشعر - كما يقول الأصمعي: (( بإبراهيم بن هرمة وهو آخر الحجج ) ) [7] . وأضاف النحاة إلى هذه الطبقات طبقة رابعة أبعدوها عن دائرة الإحتجاج وهي طبقة المولّدين، ويُقال لهم المحدثون، وهم من بعدهم (أي الطبقة الثالثة) إلى زماننا هذا، ومن شعرائها بشار بن برد وأبي نؤاس. هذا ما اجتمع عليه النحاة، مع أن بعضهم رأى أن يحتج بشعر بعض المولّدين ممن يوثق بفصاحته، وهذا رأى الزمخشري الذي دعا إلى الإحتجاج بشعر أبي تمام، وهو من شعراء الطبقة الرابعة، وحجّته في
(1) الشواهد والاستشهاد في النحو: 30 - 31.
(2) ينظر - على سبيل المثال: الانتصار لسيبويه على المبرد: 127، والحلل في اصلاح الخلل: 122، وانظر حجج البصريين في المسألة (9) من مسائل (الإنصاف) .
(3) البحث اللغوي عند العرب: 42.
(4) العمدة: 1/ 4.
(5) ينظر: الشواهد والاستشهاد في النحو: 32.
(6) ينظر: خزانة الأدب: 1/ 5 - 6.
(7) الاقتراح: 55.