فهرس الكتاب
مطلقًا وهذا مقيدًا ... وقد حكى النحويون أشياءً كثيرة عن العرب بغير شاهد فُقبلت عنهم كما يُقبل خبر الواحد المظنون به خيرًا )) [1] .
ومن جهة أخرى جاءت كثير من هذه الأبيات بروايات متعددة ولم يسقط ذلك من حجتها، بل إن كل رواية منها - ما دامت قد نُقلت عن ثقة - وقع الاستشهاد بها، (( لأن الرواة عن الفرزدق وغيره من الشعراء قد تغير البيت على لغتها، وترويه على مذاهبها مما يوافق لغة الشاعر ببيت واحد لوجوه شتى، وإنما ذلك على حسب ما غيرته العرب بلغتها، لأنه لغة الراوي من العرب شاهد كما أن قول الشاعر شاهد إذا كانا فصيحين ) ) [2] . ولا يوقف الاحتجاج بالشعر إلا الضرورة (ضرورة الشعر) ، فإذا كان شاهد الشعر حجّه على مسألة ما؛ فان الضرورة حجّة على نفي الشواهد وأبعادها عن مجال الاستشهاد. قال أبو البركات الانباري: (( الضرورة لا يُقاس عليها ... وعلى ذلك سائر الضرورات ) ) [3] . وقد تحتم على النحاة إذ يحتجون بالشعر أن يعرفوا ضروراته. قال إبن عصفور: (( إن أئمة النحويين كانوا يستدلون على مايجوز في الكلام، بما يوجد في النظام. والاستدلال بذلك لا يصح إلا بمعرفة الأحكام التي يختصّ بها الشعر، وتمييزها عن الأحكام التي يشركها فيها ... النثر ) ) [4] .
إختلف النحاة في حدّ الضرورة على قسمين: قسم يرى أن الضرورة (( هو ما ليس للشاعر عنه مندوحة ) ) [5] منهم إبن مالك، وهذا نصّ قوله. فالضرورة عنده خاصة بمواطن الاظطرار، وما لم يضطر إليه الشاعر فليس بضرورة. وقسم ذهب إلى الضدّ ورأى (( أن الشعر نفسه ضرورة وإن كان يمكن الخلاص بعبارة أخرى ) ) [6] ، منهم إبن عصفور، وهذا نصّ قوله، ويكاد علماء النحو يجمعون على القول الثاني، غير أن السيوطي قال: (( وأيدّ بعضهم [القول] الأول بأنه ليس في كلام العرب ضرورةُ إلا ويمكن تبديل تلك اللفظة ونظم شيء مكانها ) ) [7] ، وهذا وهم من السيوطي لأن هذا الرأي يؤيد القول الثاني - قول إبن عصفور والجمهور - لا الأول. قال الآلوسي: (( ذهب الجمهور إلى أن الضرورة ما وقع في الشعر مما لا يقع في النثر سواء كان للشاعر عنه مندوحة أم لا ) ) [8] ، يعني من الممكن تغيير ما يقبح به الشعر بما لا يقبح، وإلا كيف يكون للشعر لغته الخاصة إذا قصرنا الضرورات على مواطن الاضطرار. قال إبن عصفور: (( إعلم أن الشعر لمّا كان كلامًا موزونًا تخرجه الزيادة فيه
(1) الانتصار لسيبويه على المبرد: 201.
(2) الانتصار لسيبويه على المبرد: 55.
(3) الإنصاف: 1/ 152.
(4) ضرائر الشعر: 11.
(5) الاقتراح: 32.
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه.
(8) نقلًا عن ظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 41.