فهرس الكتاب
والنقص منه عن صحّة الوزن، ويحيلة عن طريق الشعر، أجاز العرب فيه ما لا يجوز في الكلام، اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه، لأنه موضع أُلفت فيه الضرائر )) [1] ، فقد لا تدعو الضرورة إلى ارتكاب الرخصة كما ذهب ابن عصفور، وربما وجدت هذه الضرورة ودعت الشاعر إلى إقامة الوزن والقافية على حساب الإعراب كما قال ابن جنّي: (( إن البيت إذا تجاذبه أمران: زيغ الإعراب، وقبح الزحاف، فان الجفاة الفصحاء لا يحفلون بقبح الزحاف إذا أدّى إلى صحّة الإعراب ... فإن كان ترك زيغ الإعراب يكسر البيت كسرًا، لا يزاحفه زحفًا، فإنه لا بدّ من ضعف زيغ الإعراب واحتمال ضرورته ) ) [2] . وابن جنّي بعد ذلك يؤمن بأن (( الشعر موضع اضطرار، وموقف اعتذار، وكثيرًا ما يُحرف فيه الكلم عن أبنيته، وتحال فيه المثل عن أوضاعها وصيغها لأجله ) ) [3] ، لذا فالشعر عنده (( موقف فسحة وعذر ) ) [4] . قال: (( إعلم أن الشاعر إذا اضطر جاز له أن ينطق بما يبيحه القياس، وإن لم يرد به استعمال ) ) [5] .
وعندي أن الذي ذهب إليه جمهور النحاة هو الصواب، أما ما ذهب إليه إبن مالك في حدّ الضرورة فيحتمل أنه استفادة من علماء اللغة والأدب كابن طباطبا العلوي (ت 321هـ) وقدامة ابن جعفر (ت 337هـ) وابن فارس (ت 395هـ) وغيرهم [6] ، ممن ذهب إلى أن إقامة الوزن والقافية لاتسوّغ للشعراء مفارقة الصواب من أي وجه، وأكثر الأدباء واللغويين على ذلك، وإن كان بعضهم يرى ما يراه النحاة كابن قتيبة (ت 276هـ) [7] . ومع أن جمهور النحاة يجوّزون ارتكاب هذه الرخص في الاضطرار والاختيار على حدّ سواء في الشعر دون النثر فهم يقدّمون ارتكاب المألوف للنفس منها على ما تقبح به الضرورة إذا تعارضتا [8] ، فالضرورة (( تتفاوت حسنًا وقبحًا ) ) [9] .
وإنما خُصّت الضرورة بالشعر لإقامة الوزن والقافية، فللشعر قوانين تحكمه لا يمكن الإيفاء بها ما لم يستغنِ في بعض المواضع عن جانب الإعراب. وهذا لا يكون في النثر. قال سيبويه: (( وهل زيدٌ في الدار، وكيف زيدٌ آخذٌ؟ فإن قلت: هل زيدًا رأيتَ؟ وهل زيدٌ ذهب؟ قَبُح ولم يجز إلا في الشعر ) ) [10] ، فالمراد بالقبح من قول سيبويه إما أن يكون شاذًا أو يكون خطأً وهو جائز في الشعر على أيّة
(1) ضرائر الشعر: 13.
(2) الخصائص: 1/ 333 - 334.
(3) المصدر نفسه: 3/ 188.
(4) المصدر نفسه: 1/ 328.
(5) المصدر نفسه: 1/ 396.
(6) ينظر: النقد اللغوي عند العرب: 162 - 164.
(7) ينظر: الشعر والشعراء: 37.
(8) ينظر الخصائص: 1/ 212، والاقتراح: 125.
(9) الاقتراح: 30.
(10) كتاب سيبويه (هارون) 1/ 99.