فهرس الكتاب
الأدلة العقلية كما هو متعارف عليها تشمل: القياس والإجماع واستصحاب الحال [1] . هذه هي المشهورة، وقد ذكر النحاة أدلة عقلية أخرى فيما عدا أدلة الجدل (أدلة التعارض والترجيح) رأيت أن أذكرها فيما يلي ذكر هذه المشهورة، فالأدلة العقلية في النحو جملةً هي:
1ـ القياس: مضى أن القياس هو (( الجمع بين أولٍ وثانٍ يقتضيه في صحة الأول صحة الثاني، وفي فساد الثاني فساد الأول ) ) [2] ، والغاية منه إمّا لا ستنباط قاعدة أو لتعليل ظاهرة، وإما لتفنيد قاعدة أو لرفض ظاهرة، لذا فإن (( إنكار القياس في النحو لا يتحقق، لأن النحو كله قياس، ولهذا قيل في حده: النحو علم بالمقاييس المستنبطه من إستقراء كلام العرب. فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو، ولا نعلم أحدًا من العلماء أنكره لثبوته بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة ) ) [3] . قال أبو البركات الأنباري: (( وإذا بطل أن يكون النحو روايةً ونقلًا وجب أن يكون قياسًا وعقلًا ) ) [4] ، وبما أن القياس عند العلماء (( مبناه على التشابه الموجود بين الألفاظ في اللغة أو المعنى أو الوزن أو الحكم أو العمل ونحوها ) ) [5] ، وهذا يشمل جميع مظاهر النحو في اللغة، لذا كان القياس من أوسع الأدلة استعمالًا بين النحاة، كذلك هو في النقد، فالمطّلع على كتب النقد النحوي ومسائل الخلاف يجد أن حجّة القياس قد امتدت عبر أغلب مسائله إلّم يكن جميعها، فالقياس أهم وأخطر معايير النقد النحوي، ويكفي أن مبنى الأدلة العقلية الأخرى يستند عليه.
القياس في العربية على أقسام يختلف بعضها عن البعض الآخر في قوة الاحتجاج بها على وفق طبيعة اشتراك العلّة - التي هي الركن الرابع من أركان القياس - فيها. فأقسام القياس النحوي على وفق اعتمادها على العلّة هي: قياس العلّة، وقياس الشبه، وقياس الطرد [6] . أما قياس العلّة فهو (( أن يُحمل الفرع على الأصل، بالعلّة التي عُلّق عليها الحكم في الأصل، كحمل ما لم يُسمّ فاعله على الفاعل بعلّة الإسناد ) ) [7] ، وهذا القياس معمولٌ به بالإجماع عند العلماء كافة [8] . وأما قياس الشبه فهو: (( أن يُحمل الفرع على الأصل بضربٍ من الشبه غير العلّة التي عُلّق عليها الحكم في الأصل،
(1) ينظر: الاقتراح: 21.
(2) الحدود في النحو: 38.
(3) لمع الأدلة: 95.
(4) المصدر نفسه: 99.
(5) الشاهد وأصول النحو: 392 - 393.
(6) المصدر نفسه.
(7) لمع الأدلة: 105.
(8) المصدر نفسه.