فحذف الجحر الثاني المضاف إلى الهاء وأُقيمت الهاء مقامه فارتفعت لمّا أخذت حكم المحذوف، فلما ارتفعت استتر الضمير المرفوع في نفس (خربٍ) فجرى وصفًا على (ضبّ) وإن كان الخراب للجحر لا للضب، وقال بأن في القرآن الكريم ما يزيد على ألف موضع شاهد كهذا على حذف المضاف [1] ، وقد نسب ابن جنّي هذا المذهب إلى أبي علي الفارسي [2] . أما السيرافي فقد نسبه إلى جماعة من النحاة، وقد ذهب فيه مذهب ابن جنّي وأبي علي الفارسي. قال (( وفي(خرب) ضمير الجحر مرفوع، لأن التقدير كان: خرب جحره )) [3] ، فأغلب البصريين على أن هذه الشواهد هي من باب حذف المضاف بالتأويل، أما من جعله من باب الجرّ بالمجاورة فعدّه من الغلط والشاذ الذي لا يصح الاحتجاج به أو القياس عليه، منهم أبو البركات الأنباري. قال: (( وقولهم:(جحرُ ضبٍّ خربٍ) محمول على الشذوذ الذي يقتصر فيه على السماع لقلته، ولا يُقاس عليه؛ لأنه ليس كل ما حُكي عنهم يُقاس عليه، ألا ترى أن اللحياني حكى أن من العرب من يجزم بلن وينصب بلم، إلى غير ذلك من الشواذ التي لا يُلتفت إليها ولا يُقاس عليها، فكذلك هاهنا )) [4] . قال السيوطي: (( والذي عليه المحققون أن خفض الجوار يكون في النعت قليلًا وفي التوكيد نادرًا ) ) [5] .
خلاصة القول إن البصريين يضعون من شأن هذا الدليل ولا يقولون بحجته خلافًا للكوفيين الذين يعدونه أحد حججهم [6] ، فهو أصل من أصولهم التي يرفضها البصريون [7] ، وقد جرى الخلاف حول هذا الأصل في المسألة (48) من مسائل (الإنصاف) وهي في القول في عامل الجزم في جواب الشرط، ذهب الكوفيون فيها إلى أن جواب الشرط مجزوم على الجوار مستدلين بهذا الدليل (الحمل على الجوار) . قالوا: (( إنما قلنا إنه مجزوم على الجوار لأن جواب الشرط مجاور لفعل الشرط، لازم له، لا يكاد ينفك عنه، فلما كان منه بهذه المنزلة في الجوار حُمل عليه في الجزم، فكان مجزومًا على الجوار، والحمل على الجوار كثير ) ) [8] .
د- التضمين:
(1) ينظر: المصدر نفسه.
(2) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 192 - 193.
(3) ينظر: كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 67 هامش (1) .
(4) الإنصاف: 2/ 615.
(5) الاشباه والنظائر: 2/ 11.
(6) ينظر: مغني اللبيب: 2/ 895 وما بعدها.
(7) ينظر: الأصول (لتمام حسان) : 43.
(8) الإنصاف: 2/ 602.