فهرس الكتاب
وقال ابن مالك: الحامل له على التأبيد اعتقاده في (لن تراني) [الأعراف / 143] أن الله لا يرى وهو باطل. فقد ثبت في الحديث المتواتر (1) أنّ أهل الجنة يرونه تعالى. (2) والأصح أنه يقع الفعل بعدها للدعاء كما يقع بعد لا. (3) قال الشاعر: [من الخفيف]
52.لن تزالوا كذلكم ثمّ لا زلـ ... (م) ... ـتُ لكم خالدًا خلود الجبالِ
والدليل على أنه دعاء لا إخبار عطف الدعاء عليه وهو ثم لا زلت ... الخ. وقد سمع الجزم بها في لغة شاذة. (4) وثالثها (إذن) هكذا رسمها بعضهم بالنون، والأصح رسمها بالألف كما يتوقف عليها. لكن قال ابن عنقاء: المختار خلافًا للجمهور أن تكتب
ــــــــــــــــــــــــ
1.الحديث المتواتر: وهو ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورةً عن مثلهم من أوله إلى آخره. تدريب الراوي (2/ 176) : وقال في تيسير مصطلح الحديث (19) : هو ما رواه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
2.روى البخاري في صحيحه (1311) عن جرير قال: كنا جلوسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إ ذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس، فافعلوا. والحديث في باب قول الله تعالى: (وجوه يومئذٍ ناظرة * إلى ربها ناضرة) [القيامة / 22 ـ 23] برقم 7434. وعن جرير بن عبد الله قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم - (إنكم سترون ربكم عيانًا) . برقم 7435. وروى مسلم في صحيحه (129) عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه، في جنة عدن). والحديث في باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، برقم 296. وقال ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية (1/ 206 ـ 207) : قوله ـ أي الإمام الطحاوي ـ والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا (وجوه يومئذٍ ناظرة * إلى ربها ناضرة) [القيامة / 22 ـ 23] وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلّم لله عز وجل ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -. ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه. المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة. وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة. وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمّر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون.
3.الكواكب الدرية: 2/ 71.
52.البيت للأعشى في ديوانه: 63، وشرح شواهد المغني: 2/ 684، والدرر: 2/ 42، 62. والشاهد فيه قوله:"لن تزالوا ... ثم لا زلت"حيث جاءت لن نافية للدعاء، ولذلك عطفت لا النافية للدعاء على سبيل عطف الإنشاء.
4.الكواكب الدرية: 2/ 72. وقال في المغني (1/ 445) : وزعم بعضهم أنها قد تجزم، كقوله: [من الطويل]
أيادي سبا، يا عزَّ ما كنت بعدكم ... فلن يحل للعينين بعدك منظرُ
وقوله: [من المنسرح] ... لن يخب الآن من رجائك من حرك من دون بابك الحلقة
والأول محتمل للاجتزاء عن الألف للضرورة.