فهرس الكتاب
أولى لأن التوقع صادق بها. (1) وقال شارح التتمة (2) : وأقول التعبير بالترجي أولى لأنه أصل معانيها وأشهرها لكن كان الأولى التعبير بالإشفاق بدل التوقع بأن يقول: ولعل للترجي والإشفاق. (3) قال الرضي: وقد اضطربت أقوالهم في لعل الواقعة في كلام الله تعالى لاستحالة ترقب غير الموثوق بحصوله عليه سبحانه وتعالى، وقال قطرب وأبو علي معناها التعليل. فمعنى: افعلوا الخيرَ لعلَّكُم تُرحمون، أي لترحموا، ولا يستقيم ذلك في قوله تعالى (وما يدريك لعلَّ الساعة قريب) [الشورى / 17] إذ لا معنى فيه للتعليل. وقال بعضهم هي لتحقيق معنى الجملة التي بعدها ولا يطرد ذلك في قوله تعالى (لعلَّهُ يتذّكّرُ أو يخشى) [طه / 44] إذ لم يحصل من فرعون التذكر. وأما قوله (آمنت أنّهُ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) [يونس / 90] فتوبة يائس لا معنى تحتها، ولو كان تذكرًا حقيقيًا لقُبل منه، والحق ما قاله سيبويه وهو أن الرجاء أو الإشفاق يتعلق بالمخاطبين، وإنما نصرنا مذهبه لأن الأصل في الكلمة أن لا تخرج عن معناها بالكلية، فلعل منه تعالى حمل لنا على أن نرجو ونشفق كما أن إن المفيدة للشك إذا وقعت في كلامه تعالى كانت للتشكيك أو الإبهام لا للشك تعالى الله عنه، وقيل إن لعل تجيء للاستفهام، تقول: لعل زيدًا منطلقٌ، أي هل هو كذلك؟ (4) قيل ومن مجيئها للاستفهام التوبيخي قوله تعالى: (وجعلها كلمةً باقيةً في عقبه لعلهم يرجعون) [الزخرف / 28] قال ابن عنقاء: وقد تأتي للتحقيق والوجوب كقوله - صلى الله عليه وسلم - (لعلَّ الله اطلع على أهل بدر فقال [50 ظ] اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) . (5) واعلم أنه لا يتقدم خبر هذه الحروف عليه ولا يتوسط بينها وبين اسمها إلا إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا نحو (إنَّ لدينا أنكالًا) [المزمل / 12] و (إنَّ في ذلك لعبرة) [النازعات / 26] . (6) وتتعين إنَّ المكسورة في الابتداء نحو (إنَّا أنزلناه) [القدر / 1] وبعد ألآ التي يستفتح بها الكلام نحو (ألآ إنَّ أولياء الله لا خوف عليهم) [يونس / 62] وبعد حيث وبعد القسم وبعد القول وإذا دخلت اللام في خبرها. وتتعين أنَّ المفتوحة إذا حلَّت محل الفاعل أو نائبه أو محل المبتدأ أو دخل عليها حرف الجر. ويجوز الأمران بعد فاء الجزاء وبعد إذا الفجائية وإذا وقعت في موضع التعليل، وتدخل لام الابتداء لعد إنَّ المكسورة فقط، وتمامه في التتمة. (7)
وتتصل ما الزائدة بهذه الأحرف فيبطل عملها إلا ليتَ فيجوز الإعمال والإهمال.
ــــــــــــــــــــــــــ
1.ينظر مجيب الندا: 2/ 20، والكواكب الدرية: 1/ 123.
2.هو الشيخ محمد الأهدل رحمه الله تعالى.
3.الكواكب الدرية: 1/ 123.
4.الكواكب الدرية: 1/ 123.
5.الحديث رواه البخاري في باب فضل من شهد بدرًا برقم (3983) .
6.الكواكب الدرية: 1/ 124.
7.ينظر المتممة: 1/ 126 وما بعدها.
{باب ظَنَّ وأخواتها}
وبابُ ظَنَّ انصب الجزءين فيه وقُل ... هما لذلك مفعولينِ قد جُعِلا
كخِلتُ عمرًا مقيمًا فاعتبر وقِس ... مثالَ ما لم يكن تمثيلُه نُقِلا
(وبابُ ظَنَّ وأخواتها) وهي أفعال القلوب وما ألحق بها مما يصح جعل مفعوليه بعد حذفه مبتدأ وخبرًا (انصب الجزءين) المبتدأ والخبر بعد استيفاء فاعلها فيه أي في باب ظَنَّ (وقُل هما لذلك مفعولين قد جعلا) وهي ظننتُ كقوله:
[من الطويل]
104.ظَننتُكِ إن شبَّت لظى الحربِ صاليًا ... فعرَّدتَ فيمن كان عنها مُعرِّدا
هذا إذا كانت بمعنى الرجحان، ومثله إذا كانت بمعنى اليقين وهو قليل نحو (يظنونَ أنَّهُم مُلاقوا ربِّهم) [البقرة / 46] وعَلِمتُ كقوله: [من الطويل]
105.تعلَّم شفاءَ النفسِ قهرَ عدوِّها ... فبالغ بلطفٍ في التحايلِ والمكرِ
وخِلتُ: كخلتُ عمرًا مقيمًا، وقوله: [من الطويل]
106.إخالُكَ إن لم تغضُضِ الطرفَ ذا هوىً ... يسومُكَ ما لا يُستطاعُ من الوجدِ
(فاعتبر وقس مثال ما لم يكن تمثيله نقلا) وحَسِبَ كقوله: [من الطويل]
107.حَسِبتُ التُّقى والجودَ خيرَ تجارةٍ ... رباحًا إذاما المرءُ أصبحَ ثاقلا
وزعمت بمعنى الرجحان كقوله: [من الخفيف]
108.زعمتَني شيخًا ولستُ بشيخٍ ... إنَّما الشيخُ من يدبُّ دبيبًا
ومصدرها الزعم قال السيرافي: هو قول ابن الأنباري إنه يستعمل في القول من غير صحة [51 و] ويقوي هذا قولهم: (الزعمُ مطيةُ الكذبِ) أي هذه اللفظة مركب الكذب، فإن كانت بمعنى تكفل أو رائس تعدت لواحد تارةً بنفسها وتارةً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
104.البيت بلا نسبة في شرح الأشموني: 2/ 29، وشرح التصريح: 1/ 248، والمقاصد النحوية: 2/ 381. والشاهد فيه قوله"ظننتُ"إذ استعمل ظنَّ بمعنى اليقين، ويحتمل أن تكون بمعنى الرجحان وهو الغالب.
105.البيت لزياد بن سيار في شرح شواهد المغني: 2/ 923، وخزانة الأدب: 9/ 129 والمقاصد النحوية: 2/ 346. والشاهد فيه مجيء الفعل تعلَّم بمعنى اعلم فنصب مفعولين هما شفاء وقهر.
106.البيت بلا نسبة في شرح الأشموني: 2/ 28، والدرر: 2/ 248. والشاهد فيه قوله"إخالك ذا هوى ً"إذ نصب بالفعل المضارع (إخال) وهو فعل قلبي معناه الرجحان مفعولين أولهما كاف الحطاب وثانيهما ذا.
107.البيت للبيد بن ربيعة العامري في ديوانه: 246، وشرح التصريح: 1/ 249. والشاهد فيه قوله"حسبت التقى والجود خير تجارة"حيث ورد"حسب"مفيدًا اليقين فنصب مفعولين أولهما التقى وثانيهما خير.
108.البيت لأبي أمية أوس الحنفي في شرح شواهد المغني: 922، والمقاصد النحوية: 2/ 379، وشرح التصريح: 1/ 248، والكواكب الدرية: 1/ 144. والشاهد فيه قوله"زعمتني شيخًا"إذ استعمل الفعل زعم بمعنى ظنَّ ونصب به مفعولين أحدهما ياء المتكلم في زعمتني وثانيهما قوله شيخًا. وهذا مستعمل في كلام العرب من غير شذوذ ولا قياس.