المبحث الثاني
منهج الشيخ داود في شرح منظومة الآجرومية وعملي في التحقيق
أولًا ـ منهج الشيخ داود في الشرح:
تفرد الشيخ داود ـ رحمه الله ـ بشخصية علمية واضحة، وقدرة عالية في التصرف بتوضيح ما يريد أن يشرحه، من عبارات مختصرة، أو آراء مشكلة، بأسلوب أخاذ، ليس فيه تكلف، وفيه آراء عدد كبير من العلماء ينقلها عن كتبهم، أو عن كتب نقلت آراءهم، إذ أوفى ما وعد به في مقدمة الشرح بأنه سيكشف عن وجوه المعاني والفوائد، ويطرزها بألفاظ مرصعة بالفوائد، (1) ليسهل فهم عبارات المتن والنظم المختصرة، أو توضيح قواعد أورداها ـ أي صاحب الآجرومية وناظمها ـ ناقصة، فأتم ما كان يجب أن يأتي تامًا في عدد من الموضوعات، فقد كان يتنقل بالقول السليم هنا أوهناك، ويستدرك على الناظم في كثير من المواضع، أو يعلل له لِمَ اختصر في هذه الفكرة أو تلك؟ فكان شرحه واضحًا تقرأه فكأنك تقرأ لواحد من أولئك الأئمة المتقدمين. (2)
واستعان الشيخ ـ رحمه الله ـ بعلوم أخرى فزين بها اسلوبه، فيأخذ من يقرأ الشرح معه بقدرة عجيبة حتى يمكنه الاطلاع على هذه الفكرة أو تلك. وكان الشيخ ـ رحمه الله ـ يوازن بين الأفكار والآراء فيرجح هذا الرأي أو ذاك، ويخالف هنا أو هناك، وكل ذلك يشير إلى عمق الرجلفي التفكير والاستدلال، وسعة إطلاعه في عصرٍ أطبقت فيه الأمية على الأمة، وتفشى فيها الجهل والتخلف.
وعندما يحاول الباحث الكشف عن اسلوبه تظهر له سعته وشموليته، فقد قدم لشرحه بمقدمة ضمنها بعد حمد الله تعالى والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه قوله:
(وبعد: فلما كانت المنظومة المنسوبة إلى العالم الفاضل الأديب، والكامل الحسيب النسيب، السيد علي أفندي علاء الدين، ابن العلامة المحقق والفهامة المدقق، وحيد دهره، وفريد عصره، السيد نعمان أفندي بن خير الدين الآلوسي، مشتملة على مهمات النحو من المطالب، محتوية مع صغر حجمها على فوائد يحتاجها كل مبتدئ وراغب، أحببت أن أشرحها بعبارات تكشف عن وجوه معاني تلك الفوائد الشريفة، وأطرزها وأرصعها بألفاظ توضح عوائدها وفوائدها الظريفة، ومن الله أستمد التوفيق في القول والعمل والحماية من الزيغ والزلل، والصيانة من الوقوع في شيءٍ من الخلل، وأسأله بلوغ القصد والأمل) . (3) وبعد هذه المقدمة بدأ الشيخ بمنظومة الشيخ علاء الدين الآلوسي فشرح أبياتها مستعينًا بمتن الآجرومية، وكأنه يقابل بين عبارتيهما. فقد افتتح الشيخ ـ رحمه الله ـ شرحه على المنظومة بالبسملة (4) فعرض أسباب ابتداء كل عمل بها بتوسع، إذ ذكر أنه بدأ بها اقتداءً بالقرآن الكريم، بل وجميع الكتب السماوية، وأتى بالأحاديث التي تبين استحباب الابتداء بالبسملة أول كل عمل، واستشهد بأقوال الائمة من الصحابة فيها، ثم أعرب ألفاظها، ثم خلص إلى القول: (أن جملة البسملة خبرية
ــــــــــــــــــــــــــ
1.المخطوطة: 1.
2.منهج الشيخ داود التكريتي في شرح منظومة الآجرومية: 6.
3.المخطوطة: 1.
4.المخطوطة: 1.