وأما الشكر عرفًا فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خلق لأجله. (1) أي يستعمل العبد أعضاءه (2) ومعانيه فيما طلب الشارع منه استعمالها فيه من صلاة وصيام وسماع نحو علم. (3)
ثم جملة الحمد خبرية لفظًا إنشائية معنىً، إذ المراد بها إيجاد الحمد أي الثناء على الله تعالى بأنه مالك لجميع الحمد من جميع الخلق، والمتضمن ذلك للثناء عليه بأنه المتصف بكل كمال، والمنزه عن كل نقص. وكذا قوله ـ فيما بعد ـ (ثم الصلاة) بل وكذا جملة البسملة، فإنها خبرية لفظًا، إنشائية معنىً، لأن القصد الثناء على الله بمضمونها من أنه لا يبتدأ إلا باسمه الرحمن الرحيم. (4) (معطي سؤل) أي مسؤول (من سأل) (5) أشار إلى قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريبُ أجيب دعوة الداع إذا دعانِ) (6) [البقرة / 186] وقوله - صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له) . (7) ومعنى ينزل ربنا: ينزل أمره أو ملائكته أو رحمته. (8)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.التعريفات: 167 ـ 168.
2.في الأصل: أعضائه. والشيخ رحمه الله تعالى يستعمل هذا الرسم دائمًا.
3.الكواكب الدرية: 1/ 8.
4.م. ن: 1/ 8.
5.في الأصل: سئل.
6.في الأصل (الداعي) بالياء. وهو مخالف لرسم المصحف.
7.الحديث رواه مالك في الموطأ برقم (499) والبخاري في صحيحه برقم (1145) ومسلم برقم (758) والترمذي برقم (446) وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (2/ 292)
8.قال الإمام ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله تعالى ـ في فتح الباري (3/ 36) : قوله (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) استدل به من أثبت الجهة، وقال: هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك. وقد اختلف في معنى النزول على أقوال، فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم. ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملةً، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة. والعجب أنهم أولوا ما في القران من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث أما جهلًا وأما عنادًا. ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنًا به على طريق الإجمال منزهًا الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف. ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم. ومنهم من أوّله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب. ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف. ومنهم من فصل بين ما يكون في تأويله قريبًا مستعملًا في كلام العرب وبين ما يكون بعيدًا مهجورًا فأول في بعض وفوض في بعض، وهو منقول عن مالك، وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد. وقال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه. ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم. وفي شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (1/ 269) : (وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني: سمعت الأستاذ أبا منصور بن ممشاد بعد روايته حديث النزول يقول: سئل أبو حنيفة فقال: ينزل بلا كيف) . وقال الأستاذ محمد أحمد شاكر رحمه الله معلقًا على الحديث في تحقيقه جامع الترمذي (2/ 308) : (وللعلماء في ذلك أبحاث =