من أجل ذلك كله تعرض الأزهر لمقت أعداء الإسلام، وصب اللعنات من قبل دعاة التغريب واللادينية، حتى جعلوه رأس المشاكل الثقافية في مصر، والعقبة ونفوذ المعاهد الإسلامية الأخرى كالقرويين في فاس، والزيتونة في تونس - وتهوين مركزه، حيث وقفوا في طريق علمائه، وحالوا بينهم وبين مراكز القيادة، ومناصب الحكم، ووظائف الإدارة، وأشاعوا بين الناس أنهم يهدفون إلى تكريم الدين، على أن يكون الإسلام على حد تعبيرهم بعيدا عن السياسة، وبمعزل عن الحكم، فأعفوا علماء الدين من التجنيد وأسقطوا الجهاد عمن حفظ كتاب الجهاد - القرآن الكريم - فأبعد القرآن وتعاليم الدين عن المدارس والمحاكم وسائر دواوين الحكومة [1] . قال أحد المبشرين في كلمة له في المؤتمر التبشيري الذي عقد في القاهية عام 1906 م وهو يتساءل عما إذا كان الأزهر يتهدد كنيسة المسيح بالخطر:"إن السنيين من المسلمين رسخ في أذهانهم أن تعليم العربية في الجامع الأزهر متقن ومتين أكثر منه في غيره والمتخرجون من الأزهر معروفون بسعة الاطلاع على علوم الدين، وباب التعليم مفتوح في الأزهر لكل مشايخ الدنيا، خصوصا وأن أوقاف الأزهر الكثيرة تساعد على التعليم فيه مجانا، لأن في استطاعته أن ينفق على 250 أستاذا".
ثم عرض اقتراحا يريد به إنشاء مدرسة جامعية نصرانية، تقوم الكنيسة بنفقاتها، لتتمكن من مزاحمة الأزهر بسهولة، وتتكفل هذه المدرسة الجامعة بإتقان تعليم اللغة العربية. وختم كلامه قائلا:
"ربما كانت العزة الإلهية قد دعتنا إلى اختيار مصر، مركز عمل لنا، لنشرع بإنشاء هذا المعهد المسيحي لتنصير الممالك الإسلامية" [2] .
وبقي الأزهر رغم ذلك مركزا من مراكز الدعاية المعادية لبريطانية كبيرة ومتعددة الامكانيات، وكان يدرك دوره، يظهر ذلك، في البيان الذي أذاعه شيخه الأكبر سنة 1349 هـ / 1930 م عندما اشتدت حملة فرنسا على الإسلام وعلى اللغة العربية بين مسلمي البربر في المغرب الأقصى [3] . فجند النفوذ الاستعماري عددا حملوا لواء السخط عليه من أبناء المسلمين، وكانت بداية ذلك سنة 1343 هـ / 1924 م عندما قامت في الأزهر حركة تدعو إلى إصلاحه، وفي عام 1346 هـ / 1927 م أخذت صحيفة السياسة تطالب:"بصبغ الأزهر بالصبغة العصرية العلمية، وهجر طرق التدريس العتيقة". مستهدفة مؤامرة قديمة كان قد عجز عن تنفيذها الإنجليز خوفا من الهياج الديني - وجاءت الآن تحت شعار الوطنية والإصلاح تارة وبسلاح البطش والإستبداد تارة أخرى، وهذه المؤامرة تستهدف: عزل الأزهر عن الحياة، واخضاع برامجه لرقابة تضمن إفناء شخصيته وفرنجته، بحيث يصبح الدين تبعا للحياة وذيلا لها، يتبعها ويتشكل بها بدل أن يقودها ويقومها. وسار الشيخ محمد عبده في هذ المجال شوطا عن حسن نية، وربما عن شعور بالنقص، وربما كان هذا من أهم أسباب التقدير والتمجيد اللذين حظى بهما الشيخ من المستشرقين والمبشرين، ومن كرومر عميد الاحتلال في مصر [4] .
(1) أنور الجندي - العالم الإسلامي - ص 345.
(2) الغارة على العالم الإسلامي ص 57 - 58.
(3) انظر الاتجاهات الوطنية ج 2 ص 176 نور الإسلام العدد الخامس من المجلد الأول ص 342 - 343.
(4) الاتجاهات الوطنية ج 2 ص 271 / وانظر الحاشية رقم 2 ص 271 - 272 [كما في النسخة المطبوعة] ..