الصفحة 103 من 543

وجاء الدكتور طه حسين، ولطفي السيد، وأضرابهما وطالبوا أن تزال هذه الصخرة العنيفة التي تعترض الجسر الثقافي العريض الذي يمتد في أوربا إلى مصر عابرا البحر الأبيض المتوسط، زاعمين أن مصر اكتشفت هويتها غريبة مئة بالمئة. فيصوره طه حسين أثرا من مخلفات العهود المتأخرة المنحطة ومشكلة من المشاكل التي تتطلب حلا [1] ، ويقول:

"ولا بد من تطور طويل دقيق قبل أن يصل الأزهر إلى الملاءمة بين تفكيره وبين التفكير الحديث، والنتيجة الطبيعية لهذا أننا إذا تركنا الصبية والأحداث للتعليم الأزهري الخالص ولم نشملهم بعناية الدولة ورعايتها وملاحظتها الدقيقة المتصلة، عرضناهم لأن يصاغوا صياغة قديمة، ويكونوا تكوينا قديما. . ."

فالمصلحة الوطنية العامة من جهة، ومصلحة التلاميذ والطلاب الأزهريين من جهة أخرى تقتضيان إشراف وزارة المعارف على التعليم الأولي والثانوي في الأزهر" [2] ."

وصدرت قوانين تطويع الأزهر باسم تطويره [3] تباعا من عام 1936 م 1355 هـ إلى عام 1976 م 1396 هـ. وتم التطويع في عهد الاستقلال وكان ثمرة من ثماره ونضرب لذلك مثلين:

أ- إلغاء القضاء الشرعي جملة وإدماج محاكمه في دوائر تابعة للمحاكم الأهلية التي قامت من أول يوم على القانون الوضعي، فقد ألغيت المحاكم الشرعية المصرية عام 1955 م - 1375 هـ.

ب- إدخال القانون الوضعي في صلب البرامج الدراسية لكلية الشريعة بجامعة الأزهر وتسميتها كلية الشريعة والقانون بموجب القانون المعروف بقانون تطوير الأزهر. وهذا عمل يقصد به تقريب الشقة بين الشريعة والقانون وحل عقدة الرفض في الرؤوس والنفوس التي يخشى دائما أن تنبعث منها قيادة جادة لحركة تحكيم الشريعة وإعادتها إلى التفرد بالهيمنة على شئون الحياة [4] .

وكان من أثر الانتصار في تطوير الأزهر أن تم تطويع البقية الباقية في معاهد الثقافة الإسلامية خارج مصر بسرعة إما بدوافع ذاتية وإما بقوانين إجبارية، كجامع الزيتونة في تونس [5] ، والقرويين في المغرب، والمعاهد الدينية في الهند. وكان قد أثر عن الحاكم الفرنسي (ليوطي) - صنو (كرومر) في مصر - قوله: إذا تم لفرنسا القضاء على القرويين فقد ضمنت لنفسها الخلود في المغرب.

ورغم ذلك فقد بقيت هذه المعاهد بشيوخها وشبابها، تحمل الفكر الإسلامي الأصيل وتواصل رسالته، وأنشئت جامعات أخرى إسلامية تحمل الرسالة كالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وجامعة أم القرى في مكة المكرمة وجامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض. . . وكلها تهدف إلى:

أ- تعليم الأمم الإسلامية المتأخرة في المعارف وهدايتها إلى أصول الدين وإلى فهم الكتاب والسنة ومعرفة الفقه الإسلامي وتاريخ الإسلام ورجاله.

ب- إثارة كنوز العلم التي خلفها علماء الإسلام في العلوم الدينية والعربية والعقلية وهي مجموعة مرتبطة بعضها ببعض وتاريخها متصل الحلقات.

ج- عرض الإسلام على الأمم غير المسلمة عرضا صحيحا في ثوب نقي خال من الغواشي المشوهة لجماله، وخال مما أدخل وزيد فيه من الفروض المتكلفة التي يأباها الذوق، ويمجها طبع اللغة العربية.

د- العمل على إزالة الفروق المذهبية، أو تضييق شقة الخلاف بينها، فإن الأمة في محنة من هذا التفريق ومن العصبية لهذا الفرق ودراسة أسباب الخلاف دراسة بعيدة عن التعصب تهدي إلى الحق [6] .

(1) مستقبل الثقافة في مصر ص 87.

(2) نفسه ص 75.

(3) العلمانية - ص 601.

(4) فتح الله ص 132.

(5) الذي أغلق عشية الاستقلال عام 1956 م، وافتتح بعد تنحية الحبيب بورقيبة عن رئاسة الجمهورية التونسية عام 1987 م!!.

(6) أنور الجندي - العالم الإسلامي ص 345 - 346.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت