الصفحة 104 من 543

هـ- تخريج الدعاة الواعين على عقيدتهم، الواعين على أوضاع أمتهم ووسائل نهضتها، وتحقيق الخير لها.

4 -مهاجمة اللغة العربية والدعوة إلى العامية:

اللغة العربية اختصها الله لغة للقرآن الكريم، وخصها مرة أخرى لتكون لغة أهل الجنة، وخصها أيضا لغة لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. ولذلك فقد رافقت رحلة الإسلام وانتشاره إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وبها كتب المسلمون على مختلف أجناسهم وديارهم. وأثرت تأثيرا كبيرا في اللغات الفارسية والتركية والأوردية واللغات الأفريقية في شرق أفريقيا واللغة الماليزية.

وكان المسلمون يتطلعون إلى أن تأخذ الدولة العثمانية العربية لغة للدولة. غير أن التحول الذي أصاب تركيا بعد الحرب، وتغريبها وانسلاخها من العالم الإسلامي دفعها للتخلص من الأثر العربي - فعملت على تصفية اللغة التركية من الكلمات العربية، حيث عقد عدد من المؤتمرات التي قامت بإخراج 13650 كلمة عربية [1] حلت محلها كلمات تركية وأوربية. ففقدت تركيا تراثا ضخما يتمثل في مئات المجلدات، في الأدب والنقد والثقافة، التي كتبت باللغة التركية العثمانية - فضلا عن أن استعمال الأتراك للحروف اللاتينية أفقدهم تصوير الأحرف المشابهة كالفاء والحاء والصاد والضاد والظاء والعين. فإن هذه الحروف لا يمكن أن تجد في اللاتينية ما يصورها بحرف واحد يقوم مقامها.

ومنذ أن اتسع النفوذ الأجنبي في العالم الإسلامي واجهت اللغة العربية مقاومة بعيدة الأثر من اللغات الثلاث: الفرنسية والإنجليزية والهولندية. فقد قطع الاستعمار الغربي الطريق على توسع اللغة بين مسلمي العالم بالعمل على:

1 -نقل كثير من اللغات إلى الحروف اللاتينية وترك الخط العربي وفي مقدمتها اللغة التركية والاندونيسية.

2 -شجع لغة محلية أو أكثر في كل بلد إسلامي غير عربي لتصبح لغات قومية. وهذا طبعا يتم على حساب اللغة العربية كالأوردية والسنسكريتية والبنغالية في الهند. واللغات المحلية في أفريقيا.

3 -توسيع نطاق لغته وجعلها اللغة الرسمية كما فعل في الهند الإسلامية وبنغلاديش وباكستان وفي غرب أفريقيا ووسطها وشرقها [2] .

أما في البلاد العربية فقد عمد الاستعمار إلى الدعوة لاستخدام العامية والتحريض على جعلها لغة التأليف والكتابة. كما فعل في الجزائر ومصر وبلاد الشام والعراق وتونس والمغرب.

ففي الجزائر - واجهت اللغة العربية محاولات خطيرة كادت هذه اللغة تمحى من الأساس محوا تاما، حتى أتيح لجمعية العلماء الجزائرية وقادتها عبد الحميد ابن باديس - والبشير الإبراهيمي وغيرهما أن تعيد بناء اللغة العربية من خلال ثلاث مائة مدرسة أقيمت في المساجد على نحو بارع استطاع بأن يتحقق تحت مدافع الاستعمار وفوهات بنادقه. وكان لذلك أبعد الأثر في التحول التاريخي الذي شهدته الجزائر. وقد أشار إلى ذلك المؤرخ الفرنسي (جاك بيرك) حين قال:"إن أقوى القوى التي قاومت الاستعمار الفرنسي في المغرب هي اللغة العربية فهي التي حالت دون ذوبان المغرب في فرنسا" [3] فقد حاولت فرنسا جهدها لإحلال اللغة الفرنسية مكان اللغة العربية في اقطار المغرب، بعد أن عملت على التفرقة بين العرب والبربر عن طريق الظهير البربري [4] .

(1) أنور الجندي - الاستعمار ص 358. والتراث: مجموعة تجارب الأمة ومعطياتها ومكونات حياتها، وعوامل التأثير والصياغة في الحياة. فإذا انقطعت الصلة به، طفت الأمة على السطح، كالزبد الذي يذهب جفاء، وضاعت شخصيتها، وتعرضت للقتل أو البتر.

(2) انظر - أنور الجندي - العالم الإسلامي ص 359.

(3) نفسه ص 362.

(4) علال الفاسي - دفاع عن الشريعة ص 163 - 164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت