أما في مصر بلد الأزهر فقد كانت الحملة أشد. وبدأت عام 1881 م / 1299 هـ حين اقترح المقتطف كتابة العلوم باللغة التي يتكلمها الناس في حياتهم العامة [1] ، من غير أن تحدث هذه الدعوة أثرا. ثم هاجت المسألة مرة أخرى 1320 هـ / 1902 م حين ألف أحد قضاة محكمة الاستئناف الأهلية في مصر من الإنجليز - وهو القاضي ولمور - كتابا سماه لغة القاهرة وضع لها فيه قواعد، واقترح اتخاذها لغة للعلم والأدب. كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية. فحملت عليه الصحف مشيرة إلى موضع الخطر من هذه الدعوة التي لا تقصد إلا إلى محاربة الإسلام في لغته. وفي ذلك الوقت كتب حافظ إبراهيم قصيدته المشهورة على لسان اللغة العربية [2] :
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي ... وناديت قومي فاحتبست حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني ... عقمت فلم أجزع لقول عداتي
وفي عام 1926 م / 1345 هـ دعا مهندس الري الانجليزي - السير (وليم ولكوكس) إلى هجر اللغة العربية - وترجم أجزاء من الإنجيل إلى ما سماه اللغة المصرية. ونوه سلامة موسى بالسير ولكوكس وأيده. فعاد الناس لمهاجمة الفكرة. ولكنها اكتسبت نفرا من دعاة الجديد، فاتخذوا القومية والشعبية ستارا لدعوتهم وخاصة بعد حركة الكماليين في تركيا. وساعد على انتشارها المسرح الهزلي الذي اتخذ اللهجة السوقية، ثم انتقلت إلى المسرح الجدي حين تجرأت عليه وقتذاك فرقة تمثيلية تتخذ اسما فرعونيا وهي فرقة رمسيس. ثم ظهرت الخيالة - السينما - فاتخذت هذه اللهجة. ولم يعد للعربية الفصحى وجود في هذا الميدان. ثم ظهرت هذه السوقية العامية في الأدب المكتوب فاستعملها كثير من كتاب القصة في الحوار [3] .
(1) الاتجاهات الوطنية ج 2 ص 359.
(2) نفسه ج 2 ص 360 / ديوان حافظ ج 1 ص 253.
(3) الاتجاهات الوطنية ج 2 ص 362.