الصفحة 109 من 543

فسيطر على المدارس الوطنية - التي تضم عامة أبناء الأمة ممن يقدرون على التعليم - عن طريق رجاله وعملائه الذين تولوا وضع المناهج الجديدة والسهر على تنفيذها وخدمة أغراضها القريبة والبعيدة كالخطة التي رسمها كرومر في مصر ونفذها القس الإنجليزي دنلوب وتلاميذه من بعده، ولا تزال لها آثار وذيول سيئة تطبع بعض جوانب التعليم المصري ومقلديه في العالم العربي المسلم. فقد استطاع أن ينزع من برامج التعليم الدين وروح الأدب العربي وتاريخ الإسلام وصلة مصر بالعرب والعربية ثم أدخل في برامج المدارس أن مصر فرعونية. وفي كل وحدات العالم الإسلامي نجد الهدف نفسه قد أعد بصورة أخرى ففي الهند الإسلامية يحاول التعليم التركيز على الحضارات الوثنية، وفي تركيا يجري الاهتمام بالتاريخ الطوراني وأمجاد جنكيز خان. وفي أندونيسيا يركز على تاريخ ما قبل الإسلام وكلها محاولات للقضاء على العوامل الجامعة للعالم الإسلامي [1] .

وحرض النفوذ الاستعماري أن يجعل من جامعاته ومعاهده مصدرا لتخريج القادة والحكام في العالم الإسلامي. فقد أوصى المؤتمر التبشيري المنعقد عام 1906 م / 1324 هـ في القاهرة [2] - بوجوب إنشاء جامعة علمانية على نمط الجامعة الفرنسية لمناهضة الأزهر والذي قالوا عنه: إنه يهدد كنيسة المسيح بالخطر. (كا سبق) . واتبع الانجليز سياسة تتفق مع مثلهم المشهور:"Slow but Sure"أي"بطيء ولكنه أكيد المفعول".

فعين اللورد كرومر أول معتمد بريطاني على مصر (المستر دنلوب) القسيس المبشر مستشارا لوزارة المعارف المصرية. فكان في يده السلطة الفعلية الكاملة، ففتح مدارس جديدة تعلم العلوم الدنيوية مهملة الدين، ويعين خريجوها في دواوين الحكومة. وأما خريج الأزهر فكان لا يجد عملا، وإذا وحده ففي إقامة الشعائر في المسجد، وفرق في الراتبين كبير. فأصبح لا يذهب للأزهر إلا الفقراء الذين يعجزون عن دفع مصاريف المدارس الحديثة [3] , وطبعا هذه السياسة نفسها التي اتبعها الانجليز في الهند المسلمة. وفي الأقطار الإسلامية الأخرى التي ابتليت باستعمار الانجليز.

ولذلك حرصت الجامعات منذ إنشائها على اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية، فحين قام سعد زغلول ولطفي السيد وزملاؤهما في مصر بإنشاء الجامعة المصرية كان النص الأول من شروط إنشائها: هو ألا تختص بجنس أو دين بل تكون لجميع سكان مصر على اختلاف جنسياتهم وأديانهم فتكون واسطة الألفة بينهم. فخلت الجامعة من علوم الإسلام [4] .

ويقول اللورد لويد ممثل بريطانيا في مصر في حفل كلية فكتوريا بالاسكندرية عام 1926 م:"إن أبناء هذه الكلية من ثمانية أجناس أو تسعة أجناس مختلفة. . . كل هؤلاء لا يمضي عليهم وقت طويل حتى يتشبعوا بوجهة النظر البريطانية"فهو يكشف عن الغاية من التعليم البريطاني - خلق جيل يؤمن بانجلترا ويتعاطف معها مغضيا عن استعمارها ونفوذها في بلاده [5] .

والجامعة الأمريكية في بيروت معروفة الأهداف والمرامي [6] .

(1) أنور الجندي - العالم الإسلامي - ص 335.

(2) الغارة على العالم الإسلامي ص 22.

(3) واقعنا المعاصر ص 218.

(4) أحمد لطفي السيد - مؤلف حسين فوزي النجار ص 262 / العلمانية / سفر الحوالي ص 607.

(5) أنور الجندي - العالم الإسلامي ص 338.

(6) التبشير والاستعمار ص 95 - 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت