ونجد في كتب التاريخ إحياء الثغرات الإقليمية الجاهلية وعرضها من زواياها البراقة التي تغري باعتناقها والإعتزاز بها والإهتمام بمعرفته كما حدث بالنسبة لتاريخ الفراعنة والأشوريين والسومريين والبابليين والفنيقيين والكنعانيين وغيرهم. . وأخطر من هذا أن المناهج تقوم بنصب مثل عليا جديدة أمام أجيال المتعلمين المسلمين فتعرض لهم تاريخ أوربا وحياة أبطالها وعلمائها ومذاهبها الفلسفية والاجتماعية ونظرياتها العلمية بطريقة لامعة جذابة ليتم استقطاب المسلمين عن دينهم بإحدى الطريقتين [1] :
أ- الاعتزاز بما قبل الإسلام وفي هذا فرقتهم وتباعدهم.
ب- طريق الفناء في الحضارة الغازية وفي هذا محوهم وردتهم، وحتى مادة المطالعة فكأنما هي ملخص موجز للغزو الثقافي الغربي إذ تحوي موضوعات منوعة يجمعها الإعجاب بالغرب وتمجيد حضارته ورجالها والإقليمية والطبقية، وتخلو من التصورات الإسلامية والقيم الإيمانية إلا قليلا.
6 -استيراد المذاهب اللادينية في الفكر والأدب:
كان من أخطر الأدوات العصرية التي اعتمد أعداء الإسلام عليها الصحافة باعتبارها أكثر شيوعا وأبعد تأثيرا سواء كانت محلية أو مستوردة مجلوبة من وراء البحار والحدود، تحمل للمسلمين قيما جديدة وتحفل بضروب من الأفكار المخربة وأحاديث الجنس الفاضحة والصور العارية والقصص البذيئة والمقالات والبحوث التي تتناول كثيرا من المقدسات بالنقد والتجريح في غير ما حرج [2] .
وليس من قبيل الصدف أن تنشأ الصحافة في بلاد الإسلام على يد النصارى ففي مصر قلب العالم الإسلامي نشأت الصحافة على يد الموارنة النصارى،
فدار الأهرام لآل تقلا، ودار الهلال لآل زيدان، ودار المقطم لآل صروف. وازدهرت هذه بحماية الحراب الانجليزية، وعاثت فسادا وتشويها لكل القيم في ظل الاحتلال [3] .
يقوب جب:"وللوصول إلى هذا التطور البعيد. . يجب ألا ينحصر الاعتماد على التعليم في المدارس - بل يجب أن يكون الاهتمام الأكبر منصرفا إلى خلق رأي عام والسبيل إلى ذلك هو الاعتماد على الصحافة". ثم يقول:"الصحافة هي أقوى الأدوات الأوربية وأعظمها نفوذا في العالم الإسلامي" [4] .
وبالصحافة سارت النهضة الفكرية والأدبية الحديثة مسارا غريبا حتى آل الأمر إلى الواقع الفكري والأدبي المعاصر، فنقلت الدارونية والفرويدية إلى مجال الأدب بطريق الترجمة أولا ثم الدراسة المستفيضة، كما استورد المسلمون المذاهب الفكرية الحديثة مثل الإلحاد والشك واللاأدرية واللامعقول. . فعملوا بذلك على تفريغ الكلمة العربية والحرف العربي من مدلوله ومعناه باسم الرمزية وباسم العقل الباطن وباسم القاموس الخاص بالمفكر أو الأديب [5] وتعرض الأدب إلى ظاهرة التقسيم والتجزيء.
وكان من ضمن القائمين بهذه الحركة إسماعيل حمد أدهم (ت عام 1353 هـ / 1940 م) وهو مستعرب من أصل مزيج تركي روسي، كان على صلة بالاستشراق الروسي. وجاء إلى مصر من تركيا بعد إعلان العلمانية وحاول نشر الإلحاد فيها: فألف رسالة صغيرة عنونها: لماذا أنا ملحد؟ وطبعها في مطبعة التعاون بالاسكندرية بين فيها أنه من جماعة: المجمع الشرقي لنشر الإلحاد [6] .
وأما اسماعيل مظهر (ت 1382 هـ / 1962 م) فقد ركز على فكرة الدراونية والأصل الحيواني للإنسان [7] في مقالاته فيقول بخبث وتلاعب بالألفاظ:
(1) فتح الله ص 71.
(2) فتح الله ص 84.
(3) انظر: محمد قطب - واقعنا المعاصر ص 238 - 242.
(4) انظر الاتجاهات الوطنية ج 2 ص 203 - 205 عن وجهة الإسلام.
(5) د. عدنان زرزور - قضية ورأي - الشرق الأوسط ص 15 السبت 26/ 10 / 1985 م.
(6) العلمانية - سفر - ص 613.
(7) انظر نفسه ص 614.