وكان من نتيجة شيوع هذه الأفكار في الفكر والشعر والصحافة التمهيد لانتشار الأفكار المادية ولا سيما الشيوعية وتغذيتها بروح الشك العام في كل شيء تقريبا حتى أصبح الشباب المتعلم في العالم الإسلامي فريسة الشكوك القاتل والوساوس الشيطانية فانتظم كثير منهم في صفوف المنظمات اليسارية أو القومية وغيرهما من الأحزاب اللادينية لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية حتى أصبحت الاشتراكية موضة العصر كما يقولون.
فبعد نجاح الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 م / 1336 هـ تحولت للاهتمام بالشرق وأسست الأممية الثالثة عام 1919 م / 1338 هـ وهو التاريخ الذي اتخذ منه اليساري اللبناني يوسف يزبك تقويما جديدا محل التاريخين الميلادي والهجري. وقد انحصرت الأفكار الشيوعية قبل ذلك في نطاق العلمانيين النصارى، ثم بدأت تتسلل في أوساط المتعلمين المسلمين على نطاق ضيق أولا فقام الكاتب المصري مصطفى حسنين المنصوري (ت عام 1946 م / 1348 هـ) بتأليف كتابه: تاريخ المذاهب الاشتراكية ليصبح بهذا العمل أول اشتراكي مسلم في العالم العربي. وتأسس الحزب الاشتراكي المصري عام 1920 م / 1339 هـ. وترجم خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري البيان الشيوعي عام 1933 م / 1352 هـ.
وبدأت أفكار القومية تغزو المسلمين بمفهوم علماني على أيدي النصارى أولا إلى أن تبناها ساطع الحصري (1880 - 1968 م / 1298 - 1388 هـ) الذي أنكر أن يكون الدين عنصرا في القومية [1] ، وتكونت الأحزاب ذات الأفكار المستوردة كالحزب القومي السوري عام 1932 م / 1351 هـ وتبلور حزب البعث عام 1940 م / 1359 هـ.
وساهمت المذاهب الأدبية مع المذاهب الفكرية في انزلاق المسلمين إلى التردي الفكري فالرومانسية وجدت لها صدى في روايات جرجي زيدان التي شوه فيها التاريخ الإسلامي ليحاكي الرومانسيين الانجليز، وترجمت أعمال معظم أدباء أوربا المشهورين من شكسبير إلى تولستوي ومع أن بعضها روائع إنسانية فقد كان الاتجاه الإباحي هو الطاغي على الترجمات كما في أعمال الكسندر دوماس وأميل زولا وأناتول فرانس. وظل الاتجاه الإباحي يسيطر على حركة الترجمة تقريبا تحت ستار الواقعية حتى الحرب العالمية الثانية. ثم ظهرت أصدار اللامعقول على أثر نضوجها في الغرب حينذاك. كما ظهرت الكتابة الأسطورية التي اتخذها سارتروكامو أسلوب التعبير عن فلسفة الضياع والعبث، إلا أنهما استخدما أساطير اليونان، أما العرب أمثال طه حسين (في على هامش السيرة وعلي وبنوه) وتوفيق الحكيم (في أهل الكهف وزينب. . .) فقد استخدموا التاريخ الإسلامي والقصص القرآني.
وقد أسهمت وسائل الإعلام - من صحافة وتلفزيون وإذاعة ومسرح التي يدير معظمها أناس علمانيون - اسهاما قويا في تنمية الاتجاه الإباحي في الفكر وتعميمه وبالتالي في هبوط الأدب أسلوبا ومضمونا كما في كتابات إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وشيعتهما نثرا، وأعمال نزار قباني وزمرته شعرا.
وظهرت شعارات علمانية تطالب بفصل الأدب عن الدين بل عن الأخلاق، فنجد شعارات: الفن للفن، الأدب غير المتزم، والأدب للشعب، والأدب للواقع. . ومن الذين نادوا بفصل الأدب عن القيم الدينية سلامة موسى.
وكما برزت الوجودية [2] في انتاج أنيس منصور والماركسية في كتابات نجيب محفوظ، برز الاتجاه الضائع الناهج نهج اللامعقول في شعر: بدر شاكر السياب العراقي والشاعر اللبناني الملقب أدونيس واسمه الأصلي أحم سعيد علي والذي تنصر.
(1) خدوري د. مجيد - الاتجاهات السياسية في العالم العربي - الترجمة العربية ص 208.
(2) انظر زيارة سارتر وعشيقته سيمون إلى مصر / الغزالي - الإسلام في وجه الزحف الأحمر ص 36 - 37.