الصفحة 115 من 543

والاتجاه إلى اللامعقول لم يفض إلى الثورة على الأدب الأصيل في مضمونه ومحتواه بل تعداه إلى الشكل والأسلوب فظهر ما يسمى بالشعر الحر الذي بدأه باكثير وبدر شاكر السياب بترجمة الشعر الأوربي إلى عربية منثورة، بعد الحرب العالمية الثانية في الوقت الذي كان يتسلل فيه إلى العالم العربي صراخ وعويل من ركام أوربا شعرا ونثرا وقصصا ملأى بالثورة والنقمة والشبق وبكل ما يدهش ويثير.

ومن الذين اشتهروا بهذا الشعر نزار سليم وحسين مروان وبلندر الحيدري وعبد الوهاب البياتي ورفعت الجادرجي وحسين مروان في العراق ونزار قباني في الشام ومحمود درويش في فلسطين المحتلة.

وفيما يلي قطعة من هذا الشعر تبين انسلاخ الشاعر من عقيدته وموطنه، والقطعة للشاعر محمد الفيتوري يقول فيها:

نار خطايانا

تسيل في حنايانا

فلنتكيء على عظام موتانا

ولنصمت الآنا

برج كنيسة قديمة وراهب قلق

وغيمة تشد قدميها وتعبر الأفق

ورجل بلا عنق. . .

وامرأة على الرصيف تنزلق

وقطعة في أسفل السلم تختنق

وصوت ناقوس يدق

يرسم دورة على الفضاء، ويدق

يقول الشيخ محمد الغزالي: بعد أن أورد هذا الشعر. . . ودعك من أضغاث الأحلام التي ينقلك إلى جوها هذا الكلام المفكك، ودعك من تقطع الروابط العقلية بين هذه الألفاظ المتصيدة فهي كما قيل: سمك، لبن، تمر هندي. .

ولكن الشيء الذي لا تدعه والذي يثير انتباهك حتما هو جراثيم الاستعمار الثقافي أو الغزو الصليبي [1] الذي سيطر على هذا الشاعر الهائم، فهو في القاهرة المدينة المعروفة بشمسها الزاهية، ومآذنها السامقة وصبغتها الإسلامية الأولى، ولكن التبعية الفكرية والنفسية الغالبة على هذا الشخص التائه جعلته لا يرى إلا الغيوم وأبراج الكنائس والرهبان القلقين ورنين النواقيس وكأنه في لندن أو روما لا في مصر [2] .

وقد لجأ بعض الأدباء إلى الغوص، بهدف تسميم أفكار الشباب باسم الحداثة التي أحيطت بهالة إعلامية كبيرة. وهي مذهب فكري غربي، تلت الرمزية في الظهور، ووجد هذا المذهب من يدعو إليه في عالم الإسلام،

ويدعو إلى تغيير وظيفة اللغة الوضعية بإيجاد علاقات لغوية جديدة تشير إلى مواضع لم تعهدها من قبل. . . وتغيير وظيفة الحواس من طريق اللغة الشعرية بحيث لا يستطيع القاريء أو السامع أن يجد المعنى الواضح المعهود في الشعر الرمزي، بما يحويه من تمرد الشعر على التراث، وعلى الماضي، وقطع أية صلة له مع المباديء الأخلاقية والدينية. . .

ومن هؤلاء الكتاب: أدونيس المنظر الفكري الأول للمحدثين العرب، وصاحب كتاب (الثبات والمتحول) الذي وصفه بعضهم بأنه انجيل الحداثيين. وقد ركز فيه على رموز الإلحاد والزندقة وأهل البدع في التراث، واعتبرهم أهل المعاناة في سبيل حرية الفكر وتجاوز السائد.

ومنهم محمد جبر الحربي، ومحمد التبيتي، وعبد العزيز المقالح، والبياتي، وصلاح عبد الصبور، وحسين مروة الأب الروحي للحزب الشيوعي اللبناني والذي قتل يوم 10/ 8 / 1407 هـ في لبنان، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وأمل دنقل، وبدر شكر السياب، ومحمود درويش، وأحمد الربيعي، وقاسم حداد. وغيرهم.

(1) كانت فرنسا قد عملت لمدينة الجزائر شعارا انتشر في العالم كله بواسطة الطابع البريدي الذي رسم عليه صليب ضخم في السماء منتصرا على هلال صغير منكس فوق البحر. يشير بذلك إلى انتصار الصليبية على الإسلام (عمار أوزيجان - الجهاد الأفضل ص 29 - 30) .

(2) الغزالي - حصاد الغرور ص 194 - 195 / وانظر مشكلات في طريق الحياة الإسلامية ص 97 - 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت