يستحيل على الإنسان أن ينفرد بنفسه انفرادا تاما وفي هذا آية من آيات الخالق المبدع جل جلاله، فحاجته إلى غيره حاجة العضو إلى العضو والخلية إلى الخلية فالاجتماع تعبير عن غريزة مستكنة في أعماق نفس الإنسان.
والجماعة صفة لازمة من صفاته، وإذا وجدت الجماعة وجدت الصلات بين أفراد هذه الجماعة، وقد نظم الإسلام سلوك الناس والنظام هو العنصر الثالث في سنة بناء المجتمع، فلا بد إذن أن يتوفر في المجتمع: أفراد وصلات اجتماعية يحددها العرف المتبع وأنظمة تضبط سلوك الأفراد وتبيح لهم الانطلاق في ميدان وتكبح جماح انطلاقهم في ميدان آخر. وينبثق عن كل ذلك سلطة يفترض احترامها [1] ولا بد من الإدراك المتبادل والشعور بالإنتماء إلى هيئة واحدة وهذا الشعور لا يتم إلا بوجود مبدأ يصدر عنه أفراد الجماعة وعقيدة يشترك جميع الأفراد في احترامها والحفاظ عليها والدفاع عنها وهذه العقيدة المشتركة هي العنصر الرابع في بناء المجتمع وهي أعظم العناصر السابقة أهمية وأكبرها خطرا ذلك أنها تتحكم فيها كلها وتوجهها جميعها الوجهة التي ترضاها، فهي التي تحدد الصلات الاجتماعية وهي التي ترسم نهج السلوك، وهي التي تضع قواعد المجتمع وتقيم نظمه وتهدي إلى مثله [2] .
والمجتمع الإسلامي هو ذاك المجتمع الذي تميز عن المجتمعات الأخرى بنظمه الخاصة وقوانينه السماوية وأفراده الذين يشتركون في عقيدة واحدة ويتوجهون إلى قبلة واحدة ولهذا المجتمع وإن تكون من أقوام متعددة وألسنة متباينة خصائص مشتركة وأعراف عامة وعادات موحدة [3] ففيه مقومات المجتمع القوي المتماسك، بطابع واضح متميز فلو أن إنسانا سار في العالم الإسلامي وتنقل في تطوافه من مدينة جاكرتا متجها إلى أقصى الغرب حتى بلغ مدينة طنجة ومر في مسيرته هذه على ختلف البلاد الواقعة على محور جاكرتا - طنجة لوجد ظاهرات اجتماعية تكاد تسيطر على هذه البلاد جميعها [4] .
فقد جاء الإسلام بتربية الإنسان تربية فطرية سليمة فأقام بناءه على تقوى الله ونظر إلى الكون والإنسان والحياة نظرة كلية شاملة لجميع نواحيها، وأعطى تفسيرا مقنعا لما قبل الحياة وما بعد الحياة، وتظهر هذه النظرة الكلية بوضوح في:
1 -أن الإسلام جاء لجميع البشر: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [5] .
2 -اهتم الإسلامية بالناحية المادية والروحية في حياة الإنسان، واهتم بالحياة الدنيا والآخرة. (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [6] .
3 -اهتم بالإنسان كفرد وعضو في مجتمع، كما اهتم بالمجتمع [7] .
(1) د. محمد أمين المصري - المجتمع الإسلامي - ص 12 - 14.
(2) نفسه ص 16.
(3) نفسه ص 17.
(4) نفسه ص 33.
(5) سورة الحجرات الآية 13.
(6) سورة القصص الآية 77.
(7) وبذلك يتميز الإسلام عن الاشتراكية التي تهتم بالمجتمع دون الفرد وتنظر إلى الفرد كسن في دولاب، فغاية المجتمع تبرر الوسيلة. وعن الرأسمالية التي تهتم بالفرد دون المجتمع. ولا مانع لهذا الفرد أن يستعمل كافة الأساليب للوصول إلى أهدافه - فالغاية تبرر الوسيلة -