الصفحة 118 من 543

ورسم الإسلام مثلا أعلى غير ذلك المثل الأعلى للجاهلية فالشجاعة والمروءة التي لا حد لها، والكرم إلى حد الإسراف، والولاء التام للقبيلة، والثأر، قام الإسلام بوضع قيم أسمى منها: فالخضوع لله والانقياد لأوامره واجتناب نواهيه والتحلي بالصبر بما يحمله من معنى الشجاعة وضبط النفس وتحمل المشاق في سبيل بلوغ الهدف وإخضاع المنافع الشخصية لأوامر الله، والقناعة وعدم التفاخر بالتكاثر بالأموال والأولاد، وتجنب الكبر والعظمة [1] . كل ذلك من مقومات الشخصية المسلمة المتميزة المتوازنة فأقام بذلك نظاما إسلاميا يتصل بجميع نواحي حياة الإنسان وتنبع قيمه من التقوى والإيمان بهذه القيم باعتبارها جزءا من العقيدة التي تنظم حياة الفرد والمجتمع، وفي ظل هذا النظام يكون سلوك الإنسان صادقا ونابعا من الإيمان بصحة ما يقول أو يفعل على أساس أن السلوك السوي يؤدي إلى مرضاة الله ويؤدي في الوقت نفسه إلى سعادة المجتمع، وقوله وسلوكه مع الناس ومعرفة قدر نفسه، فيوجد التوازن في النفس والمجتمع ويبتعد عن الازدواجية المقيتة.

ومن القيم الاجتماعية التي بثها الإسلام قيم المساواة والحق والعدل والرحمة والأمانة والإحسان والبر والوفاء وحسن الصلة في المجتمع، وأقر قيما سلوكية تفصيلية تؤدي إلى التوازن الاجتماعي والاستقرار النفسي كالاستئذان في دخول الأبواب، وتأدية التحية، والقول الحسن، وعدم السخرية من الآخرين، وحث على تحمل المسئولية.

ولن يعوزنا بالتدليل على كل ذلك من كتاب وسنة فأينما توجهت تجد الدليل، وتاريخ المجتمع الإسلامي العملي يثبت ذلك. ويكفي في هذه العجالة الأدلة السريعة الآتية:

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [2] .

وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [3] .

وقال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [4] .

وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) [5] .

وقال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [6] .

وقال صلى الله عليه وسلم:

"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [7] .

وقال عليه الصلاة والسلام:"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" [8] .

وقال"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" [9] .

وجعل صلى الله عليه وسلم: المجتمع في تكافله وتضامنه وعمق مسئوليته:"مثل قوم استهموا في سفينة" [10] .

ومن هنا جاء وصف الأمة اللإسلامية (خير أمة أخرجت للناس) وأنها (أمة الوسط) قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [11] .

(1) انظر ما قاله جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لنجاشي الحبشة / ابن هشام ج 1 ص 336.

(2) سورة الأنبياء الآية 107.

(3) سورة الحجرات الآية 10.

(4) سورة الحشر الآية 9.

(5) سورة التوبة الآية 71.

(6) سورة الحجرات الآية 13.

(7) متفق عليه / البخاري - أدب 27، مسلم بر 66، 67.

(8) أخرجه الطبراني في الأوسط، والحديث ضعيف / انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني مجلد 1 ص 321 رقم 310.

(9) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد.

(10) رواه البخاري والترمذي وأحمد.

(11) سورة آل عمران الآية 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت