الصفحة 119 من 543

وقد بقي المجتمع الإسلامي سليما قويا، (وللمسلم حرمة كبيرة) يقول عمر بن الخطاب وهو يوصي أحد قادته بالجيش: وأن رجلا أحب إلي من مائة ألف دينار [1] . ويقول:"وتالله لمسلم أحب إلى مما حوت الروم" [2] عندما استأذنه معاوية في غزو الروم بحرا.

وفي زمن عمر بن عبد العزيز تجمع الزكاة فلا يجد المسلمون من يأخذها [3] ، وفي زمن المهدي العباسي لا تجد سائلا [4] في أرجاء الدولة. .

وفي ظل المسلمين في الهند تفتح المطاعم المجانية لجميع سكان الهند الهنادكة والمسلمين عند حدوث المجاعات فتمر المجاعات دون حدوث هزات اجتماعية!.

نعم بقي المجتمع الإسلامي قويا إلى أن تضافرت العوامل الكثيرة كما سبق عليه، فلجأ إلى العزلة وأصابه الجمود، والجمود كما سبق وقلنا، نوع من أنواع المحافظة على الذات، وأصيب كنتيجة حتمية للفقر والمرض والجهل في أخلاقه وتقاليده وعاداته، فغلبت عليه الأعراف الجاهلية والعادات المستحدثة على الأخلاق الإسلامية الأصيلة، غير أن الناس بحكم العاطفة الإسلامية الموروثة، وبما جبلوا عليه من الغيرة على فضائل الخلق، كانوا ينسبون كل قيم وموازين وأعراف مجتمعهم للدين، أو على الأقل يلتمسون لها فيه أصولا، ورسخ ذلك الإنحراف المتمسح بالدين حتى أصبح هو الواقع المألوف الذي كان لدى الناس استعداد للوقوف في وجه من يحاول تغييره سواء أكان مجددا إسلاميا مخلصا أو متجددا مفسدا أجنبيا، وظهرت محاولات إسلامية جادة مخلصة للنهوض بهذا المجتمع على أسس إسلامية صحيحة مثل: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والدعوة السنوسية وجمعية العلماء في الجزائر والسلفية في المغرب المرتبطة بابن حنبل وابن تيمية وحركة الإمام محمد بن عبد الوهاب على حد تعبير العلامة عادل الفاسي [5] ودعوة السرهندي والدهلوي في الهند، وحركة شركة إسلام ومجلس العلماء و الجمعية المحمدية في أندونيسيا، وحركة عثمان دنفديو، وحركة أحمدو بللو في إفريقيا الوسطى والغربية وحركة الإخوان المسلمين في مصر. وغيرها من الحركات على اتساع ساحة العالم الإسلامي، وقد أحدثت هذه الحركات بالفعل تغيرات اجتماعية وتحولات نحو الإسلام، ولكنها جاءت في عهد أعاصير هبت على هذا المجتمع وأصابته بشدة حين تم خضوع بلاد الإسلام للإستعمار الغربي، فلم تستطع أن ترد المجتمع الإسلامي إلى أسسه، فأصابته أعاصير التحلل وسادته الأفكار المتناقضة والازدواجيات في كل أمور الحياة.

فقد شرع المستعمرون في بلاد المسلمين في تنفيذ خطتهم التي كانت ترمي إلى أمرين أساسيين [6] :

أولهما: إنشاء جيل متجانس لهم في ثقافتهم ليسهل عليهم الاتصال به والتفاهم معه [7] .

والثاني: وهو أخطر الأمرين جميعا أن تخلو الأجيال المقبلة من الدين ومن الثقافة الإسلامية ومن الحمية الإسلامية.

وكان لا بد لبلوغ هذه الأهداف من إحداث انقلاب جذري في حياة المسلمين يصادم المنهاج الإسلامي في جملته الأساسية بحراسة الجيوش المستعمرة وعلى يد من ربتهم على منهاجها من أهل البلاد.

(1) الطبراني ج 4 ص 254 / البداية ج 7 ص 119.

(2) الطبري ج 4 ص 290.

(3) فقد أغنى عمر الناس - تاريخ الخلفاء ص 235.

(4) الكامل ج 5 ص 73.

(5) أنور الجندي - العالم الإسلامي ص 288.

(6) فتح الله ص 61.

(7) انظر قول اللورد لويد في حفل فكتوريا بالاسكندرية - أنور الجندي - العالم الإسلامي - ص 338. ورأي جب - الاتجاهات الوطنية ج 2 ص 203 - 205. ورأي برنارد لويس في كتابه الغرب والشرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت