في القول بأن سبب تخلف المسلمين هو الإسلام، فقد استمدوا ذلك من الوهم الذي كان يسيطر على أولئك بأنهم مسلمون حقا. وهكذا كان الطريق مفتوحا لمهاجمة القيم الإسلامية وتدمير مقومات المجتمع من خلال مهاجمة ذلك الواقع المتخلف الذي لا يمثل الإسلام، وكان النموذج الغربي المشاهد الذي فصل الأخلاق عن الدين يزيد الأمر قوة ووضوحا. وقد جهد الاحتلال الأجنبي بشتى الطرق حتى تمكن من تحطيم مظلة الأعراف الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية، فانطلقت تسري في أوصالها كل موبقات الحضارة الأوربية حتى وصلت في ظل الاحتلال إلى مرحلة الشيوع والإستعلان، ثم إلى مرتبة الإستقرار والاستحسان، ثم إلى درجة الشرعية التي تحميها القوانين الوافدة. ودخل في روع المغلوبين الإنحلال والفساد من ضرورات التحضر والمدنية في جوانبها الصحيحة [1] . وقد ظهر هذا الإنحلال في البداية في السلوك الفردي، فانحرف الناس عن نهج الدين واستهوتهم مظاهر الحياة الغربية، فأقبل كثير منهم على الخمور والفجور والقمار والربا ونحو ذلك، ثم دب دبيب التهاون في الدين فتناول العبادات والعقائد وغيرها من أنواع الإنحلال، فتكاسل الناس عن أداء العبادات وانتشرت في الجو ضروب من الفلسفة والمذاهب الضالة، واستمالت الشباب وغير الشباب وصارت العلاقة الجنسية والنزعة الإباحية الشغل الشاغل للسينما وكثير من المجلات والصحف ابتغاء وفرة الربح والدخل، فانحرف الشباب وفسدت روابط الأسرة ثم عم السيل وطم وانهارت الفضائل الاقتصادية والاجتماعية [2] فشهد العالم الإسلامي موجة في التغيير الاجتماعي دعيت: التغريب: وهو تغيير قيم الأمة ومثلها أي تغيير عقيدتها وثقافتها وأخلاقها، وبعبارة أوضح إبعاد المسلمين عن دينهم باسم المدنية أو التطور أو التقدم. وقد بدأ التغريب في العالم الإسلامي على يد المستعمرين ومؤسساتهم التبشيرية والاستشراقية أي بالإرساليات. ولكنه وفق الأسلوب الجديد أصبح على أيدي المسلمين أنفسهم من تلاميذ المستشرقين والمبتعثين، يساندهم في تنفيذ هذا المخطط بعض الحكام من المسلمين وقد اتخذ هذا خطة استراتيجية بعيدة المدى حتى لا تحس الأمة الإسلامية بالهدف البعيد، بل قد تحس بالأسلوب الذي يجري فيه التغيير وكأن هذا التغيير يحدث تلقائيا، في مجال الأخلاق والعادات والتقاليد تحت قناع التطور والمدنية والتقدم ومسايرة روح العصر مستخدما وسائل الإعلام المختلفة المسندة إلى غير المتمسكين بالدين. وانعكس هذا التأثير رمزيا في تغيير اللباس، وارتداء الزي الغربي، الذي بدأ في القرن التاسع عشر في صفوف الجيش بأمر عسكري، ثم كان بعد ذلك في قطاع الموظفين المدنيين بأمر حكومي أيضا، وأخيرا عم اللباس بين المتعلمين من أبناء المدن من غير الرسميين عن طريق العدوى والمحاكاة والتقليد [3] . وقد استوردت الأفكار الأوربية مع السلاح والزي [4] .
(1) فتح الله ص 63.
(2) نفسه ص 64 عن الدكتور إبراهيم اللبان - رسالة التربية الدينية التي يحتاج إليها العالم الإسلامي - نشرتها مجلة الأزهر.
(3) برنارد لويس - الغرب والشرق ص 49.
(4) نفسه ص 50.